نصـوص الإعجـاز القرآنـي (5)


تُعنى هذه الزاوية بجمع ما تناثر من نصوص الإعجاز القرآني في غير مصادره المتخصصة، وما تناثر في هذه المصادر لكن لغير مؤلفيها، كما تُعنى بتصنيفها حسب تاريخ وفاة أصحابها، وذلك خدمة لمكتبة هذا العلم، وفتحا لآفاق جديدة للبحث فيه، ومحاولة لإقامة (الموسوعة التاريخية لنصوص الإعجاز القرآني في التراث العربي).

(تتمة نصوص الجاحظ (ت255هـ))

 (14)

«… فكتبتُ لك كتاباً، أجهدتُ فيه نفسي، وبلغْتُ منه أقصى ما يمكن مثلي في الاحتجاج للقرآن، والرد على كل طعّان. فلم أدَعْ فيه مسألةً لرافضي، ولا لحديثي، ولا لحُشْوي، ولا لكافر مُباد، ولا لمنافق مَقموع، ولا لأصحاب النظَّام، ولمن نَجَم بعد النظام، ممن يَزعُم أن القرآن خَلْق، وليس تأليفه بِحُجّة، وأنه تنزيلٌ وليس ببُرهان ولا دلالة.

فلما ظننتُ أني قد بلغتُ أقصى محبَّتك، وأتيتُ على معنى صِفتك، أتاني كتابك تذكُرُ أنكَ لم ترد الاحتجاجَ لنظْم القرآن، وإنما أردتَ الاحتجاج لخلْق القرآن. وكانت مسألتُك مبهمة، ولم أك أنْ أحدث لك فيها تأليفاً، فكتبت لك أشقَّ الكتابين وأثْقلهما، وأغمَضَهُما معنىً وأطْوَلهما».

[خلق القرآن، رسائل الجاحظ، 3/285-287]

(15)

«ولعمري إنا لنجد في الصبيان من لو لقّنته وسدّدته أو كتبتَ له أغمض المعاني وألطفها، وأغوصَ الحجج وأبعَدها، وأكثرها لفظا، وألطفها، وأطولها، ثم أخذته بدرْسه وحِفظه لحفِظَه حِفظا عجيبا، ولهذَّه هذًّا ذليقا(1).

فأما معرفته صحيحَه من سقيمه، وحقَّه من باطله، وفصْلَ ما بين المقرِّب(2) والدليل، والاحتراسَ من حيث يؤتى المخدوعون، والتحفظَ من مكر الخادعين، وتأتّي المجرِّب(3)، ورِفق الساحر، وخِلابة المتنبئ، وزجر الكاهن، وإخبار المنجِّمين، وفرق ما بين نَظْم القرآن وتأليفه ونظْم سائر الكلام وتأليفه، فليس يعرف فروقَ النظر(4) واختلاف البحث(5)، إلا من عرف القصيد من الزَّجر(6)، والمخمس من الأسجاع، والمزاوَج(7) من المنثور، والخطب من الرسائل، وحتى يعرف العجزَ العارض الذي يجوز ارتفاعه من العجز الذي هو صفة في الذات.

فإذا عرف صنوف التأليف عرَف مباينة نظْم القرآن لسائر الكلام، ثم لم يكْتف بذلك حتى يعرف عجزَه وعجزَ أمثاله عن مثله، وأنّ حكم البشر حكمٌ واحد في العجز الطبيعي، وإن تفاوتوا في العجز العارض».

[العثمانية، ص: 15-16]

[مقالة العثمانية، رسائل الجاحظ، 4/31]

(16)

«قال الجاحظ: سمى الله كتابَه اسما مخالفا لما سمى العرب كلامَهم على الجُمَل والتفصيل: سمّى جملته قرآنا كما سمَّوا ديوانا، وبعضَه سورة كقصيدة، وبعضَها آية كالبيت، وآخرها فاصلة كقافية».

[الإتقان في علوم القرآن، 1/143]

ملحق

(أ)

قال الجاحظ: «وعبتَ كتابي في خلق القرآن… كما عبتَ كتابي في الاحتجاج لنظم القرآن وغريب تأليفه وبديع تركيبه… وكتاب الحجة في تثبيت النبوة…».

[الحيوان، 1/9]

(ب)

قال أبو الحسن الخياط (ت300هـ) عن كتاب (نظم القرآن): «ولا يُعرف كتاب في الاحتجاج لنظم القرآن وعجيب تأليفه، وأنه حجة لمحمد  على نبوته غير كتاب الجاحظ».

[الانتصار، ص: 22]

(ج)

قال الباقلاني (ت403هـ): «وقد صنف الجاحظ في نظم القرآن كتابا، لم يزد فيه على ما قاله المتكلمون قبله، ولم يكشف عما يلتبس في أكثر هذا المعنى».

[إعجاز القرآن، ص: 6]

(د)

قال الزمخشري (ت538هـ): «ثم إن أملأ العلوم بما يغمر القرائح، وأنهضها بما يبهر الألباب القوارح، من غرائب نكت يلطف مسلكها، ومستودعات أسرار يدق سلكها، علم التفسير الذي لا يتم لتعاطيه وإجالة النظر فيه كل ذي علم كما ذكر الجاحظ في كتاب (نظم القرآن)».

[الكشاف، 1/15-16]

علي بن ربَّن الطبري (بعد 260هـ)

(1)

«الباب السادس في أمية النبي ، وأن الكتاب الذي أنزله الله عليه وأنطقه به آية للنبوة.

ومن آيات النبي  هذا القرآن، وإنما صار آية لمعان لم أرَ أحدا من مؤلِّفي الكُتب في هذا الفن فسّرها؛ بل أطلَق القولَ والدعوى فيه. وما زلت وأنا نصراني أقولُ -ويقول عم لي كان من علماء القوم وبلغائهم-: إن البلاغات ليست من آيات النبوة؛ لأنها مشتركة في الأمم كلها، حتى إذا اعتزلتُ التقليد والألف، وفارقتُ لزازَ العادة والتربية، وتدبرتُ معاني القرآن، علمتُ أن الأمر فيه كما قال أهله.

وذلك أني لم أجد لأحد عربي ولا عجمي، هندي ولا رومي، كتابا جمع من التوحيد والتهليل والثناء على الله ، والتصديق بالرسل والأنبياء، والحث على الصالحات الباقيات، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والترغيب في الجنة والتزهيد في النار، مثل هذا القرآن منذ كانت الدنيا.

فمن جاءنا بكتاب هذه نسبته ونعته، وله من القلوب هذا المحل والجلالة والحلاوة، ومعه هذا النصر واليُمن والغلبة، وكان صاحبه الذي نزل عليه أميّا لم يعرف كتابة ولا بلاغة قط، فهو من آيات النبوة، لا شك فيه ولا مرية.

وأيضا فإني رأيت جميع الكتب المخلدة لا تعدو أن تكون إما في آداب الدنيا وأخبار أهلها، وإما في الدِّين. فأما كتب الآداب والفلسفات والطب فإن غرضها ومغزاها غير هذا الغرض، ولن تُذكر مع كتب التنزيل. وأما ما كان منها في الدين فأولُ مُسمياتها وموجوداتها التوراةُ التي أيدي أهل الكتاب. ونجد عامتها في أنساب بني إسرائيل، ومسيرها من مصر، وحطتها، وترحالها، وأسماء المنازل التي نزلوها، وفيها مع ذلك سُنن وشرائع تبهَر العقول، ويعجز عنها حول الرجال وطاقتهم. فأما ما في القرآن مِن تلك الأخبار فإنما هي تذكير بأيام الله وتمثيل وتحذير وتنذير.

وأما ما في الإنجيل الذي في أيدي النصارى فإن جلّه خبر المسيح ومولده وتصرفه، وآدابٌ مع ذلك حسنة، ومواعظ كريمة، وحكم جسيمة، وأمثال رائعة، وليس فيها  مِن السنن والشرائع والأخبار إلا اليسير القليل.

وأما كتاب الزبور ففيه أخبار وتسابيح ومزامير بارعة الحسن، فائقة الحلاوة، وليس فيها مِن السنن والشرائع.

وأما كتاب أشعيا وارميا وغيرهما من الأنبياء فجلُّها لَعْنٌ لبني إسرائيل، وبشاراتٌ بالخزي، المعدّ لهم وإزالة النِّعم عنهم، وإنزال النِّقم والسطوات بهم، وهناتٌ سوى ذلك، قد لسن وطعَن عليها الزنادقة الخبثة، وقالوا: إن الحكيم الرحيم يتعالى عن أن يوحي بمثلها، ويأمر بما فيها: من رشّ الدماء على المذابح وعلى ثياب الكهنة والأئمة، وإحراق العظام، وذِكر الرفوث والفروث…

فأما القرآن فلن يوجدَ فيه حرف مما يُشبِه ذلك؛ بل منسوج بالتوحيد والتهاليل والتحاميد، والسنن والشرائع، والخبر والأثر، والوعد والوعيد، والرغبة والرهبة، والنبوات والبشارات، والرأفة وقبول التوبة، والمعاني التي ترتاح لها الأنفس وتستريح إليها الآمال فلا تقنط؛ بل يقول الله فيه: إن الله غفور رحيم(البقرة: 173)، ومن يغفر الذنوب إلا الله(آل عمران: 135)، ويقول: يا عبادي الذين أسرفوا الرحيم(الزمر: 53)، ولذلك استحق أن يُقال: إن هذا الكتاب آية من آيات النبوة؛ إذ لم يكن له نظير مذ خلق الخلْق وخط في الرّق. وإنه ليشتمل على فضائل أخرى باهرة ذات أنوار وأسرار هي أن تلك الكتب؛ بل هذه التي للحكماء خاصة، إنما ألفها قوم أدباء علماء بعد تفكر وارتياض، وبعد أن نشؤوا في المدن وسمعوا الأخبار، وثافنوا العلماء.

فأما النبي ، فلم يكن كذلك؛ بل أمي أبطحي لم يسمع من مصري ولا رومي ولا هندي ولا فارسي، ولا اختلف إلى مجالس الأدباء لطلب أدب وقراءة كتاب، وجاء بكلام بهر أهل اللغة، وغمر أهل الفصاحة والسلاطة، وخضعتْ له رقابُ الأمة، فإنه قال عن الله : قل فاتوا بعشر…صادقين(هود: 13)، وقال: قل فاتوا بسورة…صادقين(البقرة: 23). فما كان في القوم من تزَمْزَمَ ونطق؛ بل بصبصوا وأذعنوا ودانوا».

[الدين والدولة في إثبات نبوة النبي محمد ، ص: 98-104]

د. الحسين زروق

————————

1 – هذ القرآن: سرده. الذليق: الفصيح.

2 – في مقالة العثمانية، رسائل الجاحظ، 4/31 «المقرّ به».

3 – تأتى فلان حاجته: ترفق لها، وأتاها من وجهها.

4 – في م.س «النظم».

5 – في م.س «البحث والنثر».

6 – في م.س «الرجز».

7 – في م.س «المزدوج».

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *