نصـوص الإعجـاز القرآنـي (4)


تُعنى هذه الزاوية بجمع ما تناثر من نصوص الإعجاز القرآني في غير مصادره المتخصصة، وما تناثر في هذه المصادر لكن لغير مؤلفيها، كما تُعنى بتصنيفها حسب تاريخ وفاة أصحابها، وذلك خدمة لمكتبة هذا العلم، وفتحا لآفاق جديدة للبحث فيه، ومحاولة لإقامة (الموسوعة التاريخية لنصوص الإعجاز القرآني في التراث العربي).

 

(تتمة نصوص الجاحظ (ت255هـ))

 (9)

«ولو لم يكن النبي  تحداهم بالنَّظَر والتأليف، ولم يكن أيضاً أزاح عِلَّتهم، حتى قال تعالى: قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ(هود: 13) وعارِضُوني بالكذب، لقد كان في تفصيله له وتركيبه، وتقديمه له واحتجاجه، ما يدعو إلى معارضته ومغالبته وطلب مساويه.

ولو لم يكن تحدّاهم من كل ما قلنا، وقرَّعهم بالعجز عما وصفنا – وهل هذا إلا بمديحه له، وإكثاره فيه – لكان ذلك سبباً موجباً لمعارضَته ومُغالبته وطلب تكذيبه، إذ كان كلامُهم هو سيدُ عملهم، والمئونة فيه أخف عليهم، وقد بَذَلوا النفوس والأموال.

وكيف ضاع منهم، وسَقَط على جماعتهم نيفاً وعشرين سنة، مع كَثْرة عددهم، وشِدَّة عقولهم، واجتماع كلمتهم؟ !

وهذا أمر جليل الرأي، ظاهر التدبير.

فصل منه في ذكر امتناعهم من معارضة القرآن لعلمهم بعجزهم عنها

والذي مَنعهم من ذلك هو الذي منع ابن أبي العَوْجاء، وإسحاق بن طالوت، والنعمان بن المنذر، وأشباههم من الأرجاس، الذين استبدلوا بالعز ذُلاً، وبالإيمان كفراً، والسعادة شقوة، وبالحجة شبهة.

بل لا شُبهة في الزندقة خاصة. فقد كانوا يَصنعون الآثار، ويولِّدون الأخبار، ويبثونها في الأمصار، ويَطعنون في القرآن، ويسألون عن مُتشابهه، وعن خاصه وعامه، ويضعون الكتبَ على أهله. وليس شيء مما ذكرنا يستطيع دَفعه جاهل غبي، ولا معاند ذكي».

[حجج النبوة، رسائل الجاحظ، 3/277-278]

(10)

«ولما كان أعجب الأمور عند قوم فرعونَ السحر، ولم يكن أصحابُه قط في زمان أشد استحكاماً فيه منهم في زمانه، بعث الله موسى  على إبطاله وتَوهينه، وكشف ضعفه وإظهاره، ونقض أصله لردع الأغبياء من القوم، ولمن نشأ على ذلك من السفلة والطَّغام. لأنه لو كان أتاهم بكل شيء، ولم يأتهم بمعارضة السحر حتى يفصل بين الحجة والحيلة، لكانت نفوسهم إلى ذلك متطلِّعة، ولاعتل به أصحاب الأشغاب، ولشغلوا به بالَ الضعيف، ولكنّ الله ، أراد حسم الداء، وقطْع المادة، وأن لا يجدَ المُبطِلون متعلقا، ولا إلى اختداع الضعفاء سبيلاً، مع ما أعطى الله موسى  من سائر البرهانات، وضروب العلامات.

وكذلك زمن عيسى  كان الأغلب على أهله، وعلى خاصة علمائه الطب، وكانت عوامُّهم تعظّم على ذلك خواصَّهم، فأرسَله الله  بإحياء الموتى، إذ كانت غايتهم علاجَ المرضى، وأبرأ لهم الأكمه إذ كانت غايتهم علاج الرَّمِد، مع ما أعطاه الله  من سائر العلامات، وضروب الآيات؛ لأن الخاصة إذا بَخَعت بالطاعة، وقهرتها الحجّة، وعرفت موضعَ العجز والقوة، وفصلَ ما بيْن الآية والحيلة، كان أنجعَ للعامة، وأجدر أن لا يبقى في أنفسهم بقيّة.

وكذلك دهر محمد ، كان أغلبُ الأمور عليهم، وأحسنُها عندهم، وأجلُّها في صدورهم، حُسْنَ البيان، ونظْمَ ضروب الكلام، مع عِلمهم له، وانفرادهم به. فحين استحكمت لفهمهم وشاعت البلاغةُ فيهم، وكثُر شعراؤهم، وفاقَ الناسَ خطباؤهم، بعثَه الله ، فتحدّاهم بما كانوا لا يشكُّون أنهم يقدرون على أكثَرَ منه.

فلم يزل يقرِّعهم بعجزِهم، وينتقِصُهم على نقْصهم، حتى تبيّن ذلك لضعفائهم وعوامِّهم، كما تبيَّن لأقويائهم وخواصِّهم. وكان ذلك من أعجب ما آتاه اللهُ نبياً قطّ، مع سائر ما جاءَ به من الآيات، ومن ضروب البُرهانات.

ولكل شيء بابٌ ومأتىً، واختصارٌ وتقريب. فمِن أحكم الحكمة إرسالُ كلِّ نبي بما يُفحمُ أعجبَ الأمور عندهم، ويُبْطل أقوى الأشياء في ظنهم».

[حجج النبوة، رسائل الجاحظ، 3/278-280]

(11)

«… ورأينا اللّه تبارك وتعالى، إذا خاطب العربَ والأَعْرَابَ، أخرجَ الكلامَ مُخْرَجَ الإشارة والوحي والحذف، وإذا خَاطَبَ بني إسرائيل أو حكَى عنهم، جعلَه مبسوطاً، وزاد في الكلام».

[الحيوان، 1/94]

(12)

«ولي كتابٌ جَمَعْتُ فيه آياً من القرآن؛ لتَعرِفَ بها فصل ما بينَ الإيجاز والحَذْف، وبين الزّوائد والفُضول والاستعارات، فإذا قرأْتها رأيت فضلها في الإيجاز والجَمْعِ للمعاني الكثيرةِ بالألفاظ القليلة على الَّذي كتبتُهُ لك في بابِ الإيجازِ وترك الفضول.

فمنها قوله حينَ وصفَ خمرَ أهلِ الجنّة: لاَ يُصَدَّعُون عَنْها وَلاَ يُنْزِفون(الواقعة: 19). وهاتان الكلمتان قد جَمَعتا جميعَ عُيوبِ خمرِ أهلِ الدُّنيا.

وقولُه  حينَ ذكر فاكهة أّهلِ الجنّة فقال: لاَ مَقْطُوعةٍ وَلاَ مَمْنُوعةٍ(الواقعة: 33). جمع بهاتين الكلمتين جميعَ تلك المعاني.

وهذا كثيرٌ قد دَللتك عليه، فإنْ أردته فموضعه مشهور».

[الحيوان، 3/86]

(13)

«قال قوم: قد علمنا أن الشياطينَ ألطفُ لطافة، وأقلُّ آفة، وأحدُّ أذهانا، وأقلُّ فضولا، وأخفُّ أبدانا، وأكثرُ معرفة، وأدقّ فطنة منّا…

وأنتم تزعمون أنّ الشّياطين الذين هم على هذه الصّفة كلّما صعد منهم شيطان ليسترق السّمع قُذف بشهاب نار… ومتى كانت فقد ظهر للشّيطان إحراق المستمِع والمسترِق، والموانع دون الوصول ثمّ لا نرى الأوّلَ ينهى الثّاني، ولا الثّاني ينهى الثّالثَ… في هذا الدهر الطويل. وإن كان الذي يعود غيرَه فكيف خفي عليه شأنهم، وهو ظاهر مكشوف؟!…

قيل لهم: فإنّا نقول بالصّرْفة في عامَّة هذه الأصول، وفي هذه الأبواب، كنحو ما أُلقي على قلوب بني إسرائيل وهم يجُولون في التِّيهِ، وهم في العدد وفي كثرة الأدِلاَّء والتجّار وأصحاب الأسفار، والحمّارين والمُكارينَ، من الكثْرَة على ما قد سمعتم به وعرَفْتموه؛ وهم مع هذا يمشُون حتّى يُصبِحوا، مع شدّة الاجتهاد في الدَّهر الطويل، ومع قُرْب ما بينَ طرفي التِّيه. وقد كان طريقاً مسلوكاً. وإنّما سمَّوه التّيه حين تاهوا فيه، لأنَّ اللّه تعالى حين أرادَ أن يمتحِنَهم ويبتلِيهم صرَف أوهامَهم.

ومثل ذلك صنيعُه في أوهام الأُمة التي كان سُليمان مَلِكَها ونبيّها، مع تسخير الريح والأعاجيبِ التي أُعطِيَها، وليس بينهم وبين ملِكهم ومملكتهم وبين مُلك سَبأ ومملكةِ بِلقيس ملِكتهم بحارٌ لا تُركب، وجبالٌ لا تُرام، ولم يتسامَعْ أهل المملكتين ولا كان في ذكرهم مكانُ هذه الملِكة.

وقد قلنا في باب القول في الهُدهُد ما قلنا، حين ذكرنا الصَّرْفة، وذكرنا حالَ يعقوب ويوسف وحالَ سليمان وهو معتمدٌ على عصاه، وهو مَيِّتٌ والجنُّ مُطيفة به وهم لا يشعُرون بموته، وذكرنا من صَرْف أوهام العرَب عن محُاولة معارضة القرآن، ولم يأتوا به مضطرِباً ولا مُلَفَّقاً ولا مُستكرَهاً؛ إذا كان في ذلك لأهل الشَّغبِ متعلّق، مع غير ذلك، ممّا يُخالَف فيه طريقُ الدّهريّة، لأنّ الدّهريّ لا يُقر إلاّ بالمحسوسات والعادات، على خلاف هذا المذهب…

وكذلك نقول ونزعم أن أوهَام هذه العفاريت تُصرف عن الذكر لتقع المحنة، وكذلك نقول في النبي  أنْ لو كانَ في جميع تلك الهزاهز مَنْ يذكر قوله تعالى: واللّه يَعصِمُك من النّاسِ(المائدة: 67) لسَقَطَ عنه من المحنة أغلظُها. وإذا سقطَت المحنة لم تكن الطاعة والمعصية. وكذلك عظيم الطاعة مقرونٌ بعظيم الثّواب».

[الحيوان، 6/265-270].

د. الحسين زروق

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *