مع سنة رسول الله – من دلالات التوجيه النبوي عند الغضب


عن أبي هريرة  أن رجلا قال للنبي  أوصني، قال: “لا تغضب” فردد مرارا، قال، “لا تغضب”(1).

 تقديم:

يفيد الحديث النبوي الشريف بألفاظه ومعانيه النهي عن الغضب وسرعة الانفعال، ويتمثل ذلك بجلاء في إجابة الرسول  للرجل الذي طلب منه الوصية فأشفى غليله من خلال جوامع الكلم الذي أوتيه  فقال له: «لا تغضب»؛ لأن الغضب جِماع كل شر، والابتعاد عنه مَكْمَنُ كل خير، بل إن الغضب هو الشر كله، فنهاه  عن الأسباب المؤدية للغضب، بالإضافة إلى أنه يبعث بمن اتصف به إلى ارتكاب ما لا يحمد عقباه، فيضحى الرجل يقول ما لا يعلم، ويفعل ما يؤول إلى الندم، لذا فوصية النبي  لهذا الرجل لا تخصه وحده، بل هو جواب عام لكل من يأتي بعده إلى يوم نلقاه.

فمن هذا المنطلق نتساءل: ما المراد بالغضب؟ وما هي أنواعه وأسبابه؟ وما هي أضراره وطرق علاجه؟

– الغضب لغة واصطلاحا:

الغضب لغة:الغضب: بالتحريك، ضد الرِّضا. والغَضْبة: الصَّخْرة الصَّلْبة، والغضَب اشتداد السُّخط، يقال غضِب فلان يغضَب غضَبا، وهو غضبان وغَضُوب(2).

الغضب اصطلاحا:هو غليان دم القلب بطلب الانتقام(3)، وقيل الغضب معه طمع في الوصول إلى الانتقام(4)، وعرفه الجرجاني بقوله، هو: تغير يحصل عند غليان دم القلب، ليحصل عنه التشفي للصدر(5)، إذن فالغضب هو مدخل من مداخل الشيطان يبعث بصاحبه إلى المآسي والمهالك أعاذنا الله وإياكم منه.

– أنواع الغضب:

قسمها ابن عرفة إلى محمود ومذموم. فالمذموم: ما كان في غير الحق، والمحمود: ما كان في جانب الدين الحق، وأما غضب الله فهو إنكاره على من عصاه فيعاقبه(6). وما نهى الرسول  الرجل عنه فهو من قبيل الغضب المذموم.

– بعض الأسباب المؤدية إلى إثارة الغضب:

إن الغضب خلق ذميم باعتباره مفتاحا لكثرة البلايا والشرور إذا زاد عن حده وخرج عن قصده. فمن أسبابه ما يلي:

– الغضب لأتفه الأمور: وهذا لا ينبغي أن يصدر عن عاقل صاحب التفكير السليم والنظر الثاقب، فهو يتعالى عن سفاسف الأمور، وبذلك يكسب مودة الناس.

– الإعجاب بالنفس والإصرار على الانتقام: فإن المتكبر يغضب لأمور تتعارض مع كبريائه، بل يعتبر الغضب قوة وشجاعة، وإن حاورته بكلمة حق جعل الحق باطلا وألبس الباطل لبوس الحق.

– العصبية: التي نهانا الرسول  عنها، وبسببها كادت الحرب أن تنشب بين الأوس والخزرج حين تشاجر رجلان، فنادى هؤلاء ياللأوس، وقال الآخرون ياللخزرج، لولا خروج رسول الله  إليهم وقتئذ لاقتتلوا، فوعظهم وذكَّرهم مما جعلهم ينتهون ويبتعدون عن نزغات الشيطان، فبكوا وعانق الرجال من الأوس الرجال من الخزرج، ثم انصرفوا مع رسول الله (7).

– قلة الصلة بالقرآن الكريم: يتجلى في الجهل بما أعده الله للصابرين والكاظمين الغيظ من أجر وثواب، قال تعالى: فمن عفا وأصلح فأجره على الله(الشورى: 36). فالعفو والصفح من صميم الشريعة الإسلامية، وهما من صفات الرحمن، وقد قال ابن عباس  في تفسير قوله تعالى: ادفع بالتي هي أحسن(فصلت: 33): أمر الله المؤمنين بالصبر عند الغضب، والحلم والعفو عند الإساءة، فإذا فعلوا ذلك عصمهم الله من الشيطان، وخضع لهم عدوهم(8).

– الجهل بالنصوص الشرعية والأخلاق النبوية: ولنا في رسول الله  الأسوة الحسنة، ففي الحديث المروي عن أبي هريرة  أن رسول الله  قال: «ليس الشديد بالصُّرَعَة(9)، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب»(10). لذا فالمؤمن مطالب بكظم الغيظ وأن يكرو متصفا بالحلم ولا يعمل وفق ما يمليه عليه غضبه، بل يجعل شعاره «لا تغضب».

– أضراره:للغضب أضرار شتى منها الدينية والأخلاقية والاجتماعية:

من الواضح جدا أن الإنسان إذا كان شديد الغضب ولا يملك نفسه عند نزغات الشيطان، فإنه يصدر عنه ما ينافي أوامر الدين الإسلامي تحت تأثير الغضب، كما أن أضراره الأخلاقية بادية للعيان، بحيث يجعل صدر الحليم ضيقا، ويُفقِد العالم صوابه، فيضيع الحلم والعلم بسبب الغضب، لذلك نهى الإسلام عن أن يقضي الرجل بين اثنين وهو غضبان، فعن عبد الرحمان بن أبي بكرة، قال: كتب أبو بكرة إلى ابنه، وكان بسجستان بأن لا تقضِيَ بين اثنين وأنت غضبان، فإني سمعت رسول الله  يقول: «لا يقضين حكم بين اثنين وهو غضبان»(11).

وأما أضراره الاجتماعية فهي متباينة مختلفة، فالغضب سبب في زرع بذور النزاع والشقاق، فينشأ عنه قطع الصلات والعلاقات التي أمر الإسلام بإيصالها ودعانا إلى التعارف والتآلف والتعاون والتناصح، فالإنسان تحت تأثير الغضب يصدر عنه السب والشتم واللعن، بل الضرب والجرح فتضيع المودة والألفة وتسوء الأوضاع، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله : «ثلاثة من كنَّ فيه آواه الله في كنفه، وستر عليه برحمته، وأدخله في محبته» قيل: ما هن يا رسول الله؟ قال: «من إذا أعْطي شكر، وإذا قدر غفر، وإذا غضِبَ فتر»(12).

– بعض وسائل علاج الغضب:

لنا في كتاب الله وسنة رسول الله  الدواء الكافي والجواب الشافي لعلاج هذا الداء منها:

 الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم: لما في الاستعاذة من الاعتصام بالله واللجوء إليه، فهذا رسول الله  كانت وصاياه تختلف باختلاف الأشخاص فيوصي كلا بما يناسبه ويحل مشاكله. عن سليمان بن صُرَدَ قال: استب رجلان عند النبي  فجعل أحدهما تحمَّر عيناه وتنتفخ أوداجه، فقال رسول الله : «إني لأعرف كلمة لو قالها لذهب عنه الذي يجد: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم»(13).

 اللجوء إلى الوضوء: لما للوضوء من دفع حرارة الغضب، قال رسول الله : «إن الغضب من الشيطان، وإن الشيطان خلق من النار، وإنما تطفأ النار بالماء، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ»(14).

 السكوت وكظم الغيظ: فهو يدفع الغضب وما ينتج عنه، لأن الغضبان لا يميز حالة غضبه بين القول الذي قد يعود عليه بالندم، لذا كان السكوت دواء، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله  «علِّموا ويسروا ولا تعسروا وإذا غضب أحدكم فليسكت»(15).

ولأن الكاظمين الغيظ والعافين عن الناس لهم الأجر والثواب، بل أحبهم الله وجعلهم من المحسنين، جاء عُيَيْنة إلى عمر بن الخطاب  فقال: والله ما تقول العدل، ولا تعطي الجزل، قال: فهمَّ عمر به، فقال ابن أخيه: يا أمير المؤمنين، إن الله يقول خذ العفو وامر بالعرف وأعرض عن الجاهلين(الأنفال : 199). وإن هذا من الجاهلية، قال: فتركه عمر(16).

ومن الثواب الذي أعده الله للكاظمين الغيظ، ما ورد عن سهل بن معاذ عن أبيه أن رسول الله  قال: «من كظم غيظا وهو قادر على أن ينفذه دعاه الله على رؤوس الخلائق يوم القيامة حتى يخَيِّره من الحُور العين ما شاء»(17).

بناء على ما سبق، نستنتج أن الشريعة الإسلامية بأصولها وفروعها دعت إلى الابتعاد عن أسباب الغضب، باعتباره مدخلا من مداخل الشيطان، وخير علاج الغضب يتمثل في التشبث بالكتاب المبين، وبسنة النبي المصطفى الأمين، فهو خير علاج وأحسن سبيل، والله هو الهادي إلى الصراط المستقيم، وآخر دعونا أن الحمد لله رب العالمين.

ذ. علي السباع

——————-

1 – صحيح البخاري: باب الحذر من الغضب، ج 8، ص 28.

2 – معجم مقاييس اللغة: لا بن فارس، ج 4، ص 428، وينظر تاج العروس من جواهر القاموس: للزبيدي : ج 3، ص 485.

3 – إحياء علوم الدين: لأبي حامد الغزالي، ج 3 ص 167.

4 – تاج العروس من جواهر النفوس : لمرتضى الزبيدي، ج 3، ص 485.

5 – التعريفات: للجرجاني : ج 1، ص162.

6 – تاج العروس من جواهر النفوس : لمرتضى الزبيدي، ج 3، ص 485.

7 – السيرة الحلبية = إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون: لأحمد حلبي، ج 2، ص 149

8 – تفسير الطبري: ج 21، ص 471.

9 – الصُّرَعة:الذي يغلب الرجال ويصرعهم.

10 – صحيح البخاري: باب الحذر من الغضب، ج 8 ص 28.

11 – صحيح البخاري: باب هل يقضي القاضي أويفتي وهو غضبان. ج 9، ص 65

12 – المستدرك على الصحيحين: للحاكم النيسابوري، فصل: في توقير العالم، ج 6، ص 214.

13 – صحيح مسلم: باب فضل من يملك نفسه عند الغضب، ج 4، ص 2015.

14 – سنن أبي داود: باب مايقال عند الغضب، ج 4، ص 249.

15 – الأدب المفرد: للبخاري، باب العفو والصفح عن الناس، ج 1 ص 95.

18 – الأنفال : الآية 199.

16 – جامع معمر بن راشد الأزدي : باب المستشار، ج 11، ص 440.

17 – سنن أبي داود: باب من كظم غيظا. ج 4، ص 248.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *