لآلئ وأصداف – مع عبد الله الطيب (3)


عندما قرأت تعليق الدكتور عبد الله الطيب: (هذا من قريّ: لا ترى الضب بها ينجحر)، لم أجرؤ على سؤاله عن المراد، وشمرت عن ساعد الجد، ورحت أبحث عن هذا الشاهد، في دواوين الشعراء والقبائل والاختيارات، وكنت أعتمد على وزن القول، فقد وجدته على وزن الرمل: (فاعلاتن فاعلاتن فاعلن)، فرحت أتلمس القصائد التي على بحر الرمل، ولكن دون جدوى. وما زلت أبحث حتى عثرت على البيت كاملا، ولم يكن من بحر الرمل، ولكنه كان من الرجز، وقد أصابه الخرم، أي سقطت واوه في شطره الثاني، وهذا هو:

لا تفزع الأرنب من أهوالها

ولا ترى الضّبّ بها ينجحرُ

وهو في وصف فلاة. وفتح علي هذا البيت أبوابا بلاغية، إذ سمى البلاغيون هذا الأسلوب إيجاز الحذف أحيانا، وعكس الظاهر أحيانا، وما زالوا في خلاف حتى بلغوا بها ثمانية أسماء. ومراد البيت هو أن هذه الفلاة لا أرنب فيها أصلا حتى يدركها الفزع، ولا ضب فيها يضطر إلى أن ينجحر في جحره، وذلك مبالغة في أهوال هذه الفلاة. ومنه قول امرئ القيس:

على لاحب لا يُهتدى بمنـــاره

إذا سافه العَودُ النباطيّ جرجرا

أي لا منار بهذا اللاحب، وهو الطريق، فيهتدى.

ووجدنا ضروبا لهذا الأسلوب في القرآن الكريم، ووقف المفسرون عند بلاغته. ومن ذلك ما قال الشنقيطي في (أضواء البيان):

“قوله تعالى: أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون إني إذا لفي ضلال مبين الاستفهام في قوله تعالى: “أأتخذ” للإنكار، وهو مضمن معنى النفي، أي: لا أعبد من دون الله معبودات، إن أرادني الله بضر لا تقدر على دفعه عني، ولا تقدر أن تنقذني من كرب. وما تضمنته هذه الآية الكريمة من عدم فائدة المعبودات من دون الله جاء موضحا في آيات من كتاب الله تعالى؛ كقوله تعالى: قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون (الزمر: 38)، وقوله تعالى: قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا (الإسراء: 56) وقوله تعالى: قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض (سبأ: 22) وقوله تعالى: ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون (يونس: 18)، وقوله تعالى: ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين (يونس: 106)، والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة.

وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: لا تغن عني شفاعتهم شيئا، أي: لا شفاعة لهم أصلا حتى تغني شيئا، ونحو هذا أسلوب عربي معروف، ومنه قول امرئ القيس:

على لاحب لا يهتدى بمناره

إذا سافه العود النباطي جرجرا

فقوله: لا يهتدى بمناره، أي: لا منار له أصلا حتى يهتدى به، وقول الآخر:

لا تفزع الأرنب أهوالها

ولا ترى الضب بها ينجحر

أي: لا أرنب فيها، حتى تفزعها أهوالها، ولا ضب فيها حتى ينجحر، أي: يتخذ جحرا. وهذا المعنى هو المعروف عند المنطقيين، بقولهم: السالبة لا تقتضي وجود الموضوع”. انتهى كلام الشنقيطي.

ووقف ابن عاشور على هذه الظاهرة البلاغية، وجعلها تحت باب بلاغة القصر، عند قوله تعالى: أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ألكم الذكر وله الأنثى تلك إذا قسمة ضيزى إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان .فقال: “وجملة “إن هي إلا أسماء سميتموها” استئناف يكر بالإبطال على معتقدهم من أصله بعد إبطاله بما هو من لوازمه على مجاراتهم فيه لإظهار اختلال معتقدهم، وفي هذه الجملة احتراس لئلا يتوهم متوهم إنكار نسبتهم البنات لله، إنه إنكار لتخصيصهم الله بالبنات وأن له أولادا ذكورا وإناثا، أو أن مصب الإنكار على زعمهم أنها بنات وليست ببنات، فيكون كالإنكار عليهم في زعمهم الملائكة بنات. والضمير (هي) عائد إلى اللات والعزى ومناة. وما صدق الضمير الذات والحقيقة، أي ليست هذه الأصنام إلا أسماء لا مسميات لها ولا حقائق ثابتة، وهذا كقوله تعالى: ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها (يوسف: 40).

والقصر إضافي، أي هي أسماء لا حقائق عاقلة متصرفة كما تزعمون، وليس القصر حقيقيا؛ لأن لهاته الأصنام مسميات وهي الحجارة أو البيوت التي يقصدونها بالعبادة ويجعلون لها سدنة.

وجملة ما أنزل الله بها من سلطان تعليل لمعنى القصر بطريقة الاكتفاء لأن كونها لا حقائق لها في عالم الشهادة أمر محسوس إذ ليست إلا حجارة.

وأما كونها لا حقائق لها من عالم الغيب؛ فلأن عالم الغيب لا طريق إلى إثبات ما يحتويه إلا بإعلام من عالم الغيب سبحانه، أو بدليل العقل كدلالة العالم على وجود الصانع وبعض صفاته، والله لم يخبر أحدا من رسله بأن للأصنام أرواحا أو ملائكة، مثل ما أخبر عن حقائق الملائكة والجن والشياطين.

والسلطان: الحجة، وإنزالها من الله: الإخبار بها، وهذا كناية عن انتفاء أن تكون عليها حجة؛ لأن وجود الحجة يستلزم ظهورها، فنفي إنزال الحجة بها من باب: (على لاحب لا يهتدي بمناره) أي لا منار له فيهتدى به”. انتهى كلام ابن عاشور.

وقد جعلوا من ذلك أيضا قوله تعالى: تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا، أي لا يسألون أصلا، لا إلحافا، ولا غير إلحاف. ولكن الحديث عن هذه الظاهرة البلاغية، ظاهرة الضب الذي لا ينجحر، يطول، وحسبنا ذلك بيانا لما تفتحه ملاحظات الدكتور عبد الله الطيب الموجزة من آفاق.

يلتقطها أ.د. الحسن الأمراني

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *