كراهة المدح في الوجه لمن خيف عليه مفسدة من إعجاب ونحوه وجوازه لمن أمن ذلك في حقه


عن أبي موسى الأشعري  قال: سمع النبي  رجلا يثني على رجل ويطريه في المدحة، فقال «أهلكتم، أو قطعتم ظهر الرجل» (متفق عليه). و”الإطراء“: المبالغة في المدح.

قوله: في “المدحة” هي بكسر الميم، وقال عمر : “المدح هو الذبح” قال ابن بطال رحمه الله تعالى: معنى النهي أن يفرط في مدح الرجل بما ليس فيه، فيدخل من ذلك الإعجاب، ويظن أنه في الحقيقة بتلك المنزلة، ولذلك قال: “قطعتم ظهر الرجل” حين وصفتموه بما ليس فيه، وفيه أن من رفع امرأ فوق حده وتجاوز به مقداره بما ليس فيه، فمعتد آثم. اهـ

وعن أبي بكرة  أن رجلا ذكر عند النبي  فأثنى عليه رجل خيرا، فقال النبي : «ويحك قطعت عنق حبك» يقوله مرارا «إن كان أحدكم مادحا لا محالة، فليقل: أحسب كذا وكذا إن يرى أنه كذلك، وحسيبه الله، ولا يزكى على الله أحد» (متفق عليه).

قوله: «ويحك» هي كلمة رحمة وتوجع، وويل كلمة عذاب. قوله: «والله حسيبه» بفتح أوله وكسر ثانيه، أي: كافِيهُ، ويحتمل أن يكون هنا فعيل من الحساب أي محاسِبهُ على عمله الذي يعلم حقيقته «ولا يزكى على الله أحد» أي لا أقطع على عاقبة أحد، ولا على ما في ضميره لكون ذالك مغيبا عنه، وجيء بذلك بلفظ الخبر ومعناه النهي أي لا تزكوا أحدا على الله لأنه أعلم بكم منكم. (الفتح ج 13، ص: 585).

وعن همام بن الحارث، عن المقداد  أن رجلا جعل يمدح عثمان ، فعمد المقداد، فجثا على ركبتيه، فجعل يحثو في وجهه الحصباء، فقال له عثمان: ما شأنك؟ فقال: إن رسول الله  قال: «إذا رأيتم المداحين، فاحثوا في وجوههم التراب» (رواه مسلم).

قال العلماء: المراد به المداحون الناس في وجوههم بالباطل وبما ليس فيهم.

وقال البيضاوي: المراد بحثو التراب في وجه المادح إعطاؤه ما طلب لأن كل الذي فوق التراب تراب.

وقيل: إذا مدحتم فاذكروا أنكم تراب فتواضعوا، ولا تعجبوا.

ولكن من وقف على حقيقة نفسه، وأشفق من تقصيره، لا يضره الإطراء والمدح، قال ابن عيينة : من عرف نفسه لم يضره المدح. ولهذا جاء من سنة السلف أن الرجل إذا مدح في وجهه يقول: اللهم اغفر لي ما لا يعلمون، ولا تؤاخذني بما يقولون، واجعلني خيرا مما يظنون. وقيل: إذا كان يحصل بذالك مصلحة كنشاطه في الخير، والازدياد منه، أو الدوام عليه، أو الاقتداء به كان مستحبا والله أعلم.

قال الشيخ النووي : فهذه الأحاديث في النهي، وجاء في الإباحة أحاديث كثيرة صحيحة، قال العلماء: وطريق الجمع بين الأحاديث أن يقال: إن كان في الممدوح كمال إيمان ويقين، ورياضة نفس، ومعرفة تامة بحيث لا يفتتن، ولا يغتر بذلك، ولا تلعب به نفسه، فليس بحرام ولا مكروه، وإن خيف عليه شيء من هذه الأمور مدحه في وجهه كراهة شديدة، وعلى هذا التفصيل تنزل الأحاديث المختلفة في ذلك.

ذ. عبد الحميد   صدوق

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *