علم التوقـيت: مفهومه وفوائده 1\2


اتجه المسلمون لدراسة هذا العلم دراسة دقيقة، وأول من اهتم بعلم الفلك من الخلفاء المسلمين هو “أبو جعفر المنصور” الخليفة العباسي، وفي عهده ترجمت الكتب التي تتحدث عن الفلك عند اليونان والفرس والهنود إلى العربية، فاستوعب علماء العرب هذه المعارف وفهموها، ثم نقدوها وعلَّقوا عليها، وابتكروا أشياء جديدة نافعة في حياة المسلمين، ثم اقتدى بالخليفة “المنصور” من جاء بعده من الخلفاء في نشر العلوم، وتشجيع دراسة علم الفلك والرياضيات، وترجمة ما ألفه “إقليدس” و”أرشميدس” و”بطليموس” وغيرهم من علماء “اليونان”، وبذلك خطوا بعلم الفلك والتوقيت وفروعهما خطوات واسعة إلى الأمام، ومهدوا السبيل لمن جاء بعدهم من علماء الغرب في عصر النهضة الأوروبية وفي العصر الحديث. وعلم التوقيت من العلوم المرتبطة بإقامة شعائر الدين، ويستمد بحوثه من الرياضيين والفلكيين والجغرافيين وأصحاب الأزياج والراصدين.

أولا: مفهوم علم التوقيت

تتعدد مفاهيم علم التوقيت على حسب منظور كل معرف له، فمنهم من نظر إلى اللغة ومنهم إلى الاصطلاح.

ففي اللغة:

جاء في المصباح المنير: “الوقْتُ: مقدار من الزمان مفروض لأمر ما، وكل شيء قدر له حينا فقد وقته توقيتا، وكذلك ما قدرت له غاية، والجمع أوقات. والميقات: الوقت، والجمع مواقيت. وقد استعير الوقت للمكان، ومنه مواقيت الحج لمواضع، ووقت الله الصلاة توقيتا ووقتها يوقتها من باب حدد لها وقتا، ثم قيل لكل شيء محدود موقوت وموقت”.

وأما الوقْتُ في الاصطلاح:

فمنهم من عرفه بأنه:  “علم تتعرّف منه أزمنة الأيام والليالي وأحوالها وكيفية التوصّل إليها، ومنفعته معرفة أوقات العبادات وتوخّي جهتها، والطوالع والمطالع من أجزاء البروج، والكواكب الثابتة التي منها منازل القمر، ومقادير الظلال والارتفاعات، وانحراف البلدان بعضها عن بعض وسموتها”(محمد علي التهانوي. موسوعة كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم).

ومنهم من عرفه: بأنه عبارة عن قواعد كلية وقوانين عامة يبحث بها عن النجوم وأفلاكها، وعن سير ما يسير منها، وعما ينشأ عن ذلك من معرفة فصول السنة، ومعرفة ما مضى وما بقي من أجزاء الليل والنهار، ومعرفة أوقات الصلوات الخمس، وتعيين جهة القبلة، ومعرفة حساب الأهلة، وكسوف الشمس وخسوف القمر، ومعرفة عدد السنين والحساب.

ثانيا: حكم التوقيت الشرعي

يختلف حكمه الشرعي حسب الزمان والمكان، وأحوال الناس والمجتمع، في كون حكمه الوجوب العيني على من انفرد، والكفائي على من تعدد، وبهذا يجمع بين الخلاف في حكمه كما حكاه ابن الأنباري في سعود المطالع حيث قال: “وحكمه أنه من فروض الكفاية، بل قيل إنه من الفروض العينية؛ لأنه به تعرف أوقات الصلوات” اهـ.

وقال ابن حجر: وتعلمها أي أدلة القبلة عند إرادة سفر يقل فيه العارفون بالقبلة فرض عين أو في حضر أو سفر بين قرى فيها محاريب معتمدة بحيث لا يخرج الوقت قبل المرور على واحدة، أو يكثر العارفون فيه بحيث تسهل مراجعة ثقة منهم قبل خروج الوقت فيما يظهر فرض كفاية اهـ. وجاء في حاشية الإيضاح: وأما القادر على تعلم الأدلة أي القبلة فهو كالعالم بها فلا يجوز له التقليد….

ثالثا: أهمية علم التوقيت

إن علم التوقيت من أشرف العلوم وأعلاها؛ لأنه يستعان به على التفكر في ملكوت الله تعالى وبه تتعلق فروض الدين الإسلامي، إضافة إلى ذلك فإن اتجاه المسلمين إلى الكعبة يتطلب منهم أن يعرفوا جهة القبلة. وكذلك أيضا موعد الصيام يتطلب منهم معرفة ظهور هلال رمضان، وغير ذلك من أحكام الشريعة الإسلامية.

لقد كان العرب بحاجة إلى معرفة الكواكب، ومواقع طلوعها وغروبها إذ أنهم يهتدون برؤية الكواكب في سيرهم، وفي قوافلهم التجارية، وفي سير جيوشهم؛ لأنهم كانوا يدركون أنه لولا معرفتهم بأحوال الكواكب لما تمكنت قوافلهم التجارية من أن تشق طريقها في الصحراء.

ونجد في القرآن الكريم أكثر من إشارة إلى ذلك منها قول الله تعالى: والسماء ذات البروج(البروج: 1)وقوله تعالى: ولقد جعلنا في السماء بروجا وزيناها للناظرين(الحجر: 16).

وقوله تعالى: هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب(يونس: 5).

ويمكن القول بأننا نجد صلة بين الأحكام الشرعية من جهة والمسائل الفلكية من جهة أخرى.

وهذه الصلة قد شجعت المسلمين على الاهتمام الفائق بمعرفة الأمور المتعلقة بالسماء والكواكب.

رابعا: مقاصد علم التوقيت الشرعية

مقاصده الشرعية: يعرف به أوقات الأداء والقبلة، المتعلقين بالصلوات التي هي من أعظم أركان الإسلام، وأفضل العبادات البدنية، ومعرفة الباقي والماضي من الليل والنهار، والطوالع والمطالع من أجزاء البروج، والكواكب الثابتة التي منها منازل القمر، ومقادير الظلال والارتفاعات، وانحراف البلدان بعضها عن بعض وسموتها.

ويستعان به على التفكر في ملكوت السماوات والأرض وما اشتملتا عليه من عجائب وغرائب.

خامسا: أركان علم التوقيت

لعلم التوقيت أربعة أركان أساسية:

الأول: الارتفاع:أي ارتفاع الشمس نهارا أو الكوكب ليلا أو غيرهما، وهو بعد الشمس أو الكوكب عن دائرة أفق البلد في الجهة التي هو فيها من شرق أو غرب، أو شمال أو جنوب، وهو: قوس من دائرة عظيمة تمر بقطبي الأفق وبالجزء المرتفع فيما بين مركزه وبين الأفق.

الثاني: الميل:وهو عبارة عن بعد الشمس عن مدار الاعتدال إلى الشمال أو الجنوب.

الثالث: العرض:أي عرض البلد وهو: قوس صغرى من دائرة نصف النهار فيما بين سمت رؤوس أهل ذلك البلد ومعدل النهار وما بين قطب معدل النهار والأفق.

الرابع: الطول:طول البلد هو بعده من المشرق أو المغرب (وليس للمشرق والمغرب نهاية في الحقيقة عند المنجمين؛ لأن كل نقطة من دائرة خط الاستواء هي مشرق لموضع، ومغرب لموضع آخر، فإذا ذكر المشرق على الإطلاق عني به أقصى موضع من البلاد المعمورة في نواحي الشرق، وكذلك إذا ذكر المغرب على الإطلاق عني به أقصى موضع من البلاد المعمورة في نواحي الغرب، وبينهما نصف الأرض طولا.

والكرة الأرضية قد قسمت على دوائر تمر بالقطبين تسمى بخطوط الطول والهاجرة والزوال، ويقدر طول كل منها 40000 كلم، والخط المار بغرينتش هو غرب لندن هو الخط الأساسي رقمه صفر.

د. عزيز معتصم

 

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *