اللغة العربية لغة القرآن الكريم: مباني ومعاني 29


ناقشنا في الحلقة الماضية (28) المحجة عدد: 473 كتابة كلمة البنوة، وقدمنا تعليلا لحذف همزة الوصل منها، وأشرنا إلى أن هذا الحذف قيمة خلافية تميز بين درجتي الاسمين من حيث النسب، وفي هذه الحلقة نتابع عرض بقية الأمثلة التي لا حذف فيها، فهمزة الوصل مقرونة بما يميزها من القواعد -كما أوردها ابن قتيبة- وذلك فيما يلي:

سطرنا في الحلقة (27) جدولا لثمانية أحوال لهمزة الوصل مرقمة بترتيب، ناقشنا نوعين منها في الحلقة الماضية (28) (1-7) ونعرض ما بقي منها في هذه الحلقة كما أورده ابن قتيبة بقواعده وهي كما يلي:

2 – هذا زيد ابنك…

يقول ابن قتيبة في سياق حديثه عن كلمة (بن): «فإن أضفته إلى غير ذلك [إشارة إلى القاعدة السابقة في رقم (1)؛ أي إذا كان متصلا بالاسم وهو صفة] أثبتت الألف نحو قولك: «هذا زيد ابنك» و «ابن عمك» و«ابن أخيك»: ويعطف على هذا الحكم؛ أي إثبات الألف في كلمة ابن -أمثلة رقم (3) بقوله: “وكذلك إذا كان خبرا كقولك: «أظن محمدا ابنَ عبد الله» و«كان زيدٌ ابنُ عمرو» و«إن زيداً ابن عمرو» وفي المصحف: وقالت اليهود عزير ابن الله(التوبة: 30)، وقالت النصارى المسيح ابن الله(التوبة: 30) كتبا بالألف لأنه خبر”.

ولكل مثال من بين الأمثلة الأربعة الباقية خصوصية تعليل إثبات همزة الوصل فيه وهي:

4 – قال عبد الله وزيد ابنا محمد...

في هذا المثال يقول: «وإن أنت ثنيت الابن ألحقت فيه الألف، صفة كان أو خبرا، فقلت: «قال عبد الله وزيد ابنا محمد كذا وكذا»، و«أظن عبد الله وزيدا ابنيْ محمد».

5 – جاءني ابن أخي عبد الله…

وفي هذا المثال يقول: «وإن أنت ذكرت ابنا بغير اسم فقلت: «جاءني ابن عبد الله» كتبته بالألف.

6 – هذا محمد ابن أخي عبد الله…

يقول بخصوص هذا المثال: «وإن نسبته إلى غير أبيه فقلت: «هذا محمد ابن أخي عبد الله» ألحقت فيه الألف».

والملاحظ من خلال الأمثلة السبعة السابقة أن واحدا منها هو الذي يستشهد به لإثبات همزة الوصل في اسم البنوة.

أ – «إذا كان الابن متصلا بالاسم وهو صفة». أما بقية القواعد المعلل بها إثبات همزة الوصل لكلمة «ابن» فهي متنوعة في حد ذاتها لا في الوظيفة التي تثبتها بخصوص هذا الاسم، وهي الإضافة إلى كاف الخطاب في المثال (1)، «ابنك» أو مضاف إلى المضاف إلى كاف الخطاب «ابن عمك – ابن أخيك» أو كونه خبرا في الأصل معمولا لأحد النواسخ الفعلية أو الحرفية كما هو واضح في الأمثلة رقم (3) «أظن محمدا ابن عبد الله…» إلى غير ذلك من الخصوصيات التركيبية التي تثبت فيها همزة الوصل في كلمة «ابن» كما هو واضح في بقية الأمثلة (4) و (5). ويبدو أن تنوع قواعد الأبنية التركيبية التي ترد فيها كلمة «ابن» غير التي يكون فيها اسما متصلا بالصفة لا تؤثر في شكل كتابة همزة الوصل فيها بحذفها، فهذه الهمزة ثابثة في سياق الكلام مهما تنوعت أبنية القواعد التي ترد في سياقها. ولذا وردت هذه الهمزة في أكثر من ثلاثين آية في القرآن الكريم كقوله تعالى: وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس(البقرة: 87)، وقوله عز من قائل: وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل(البقرة: 177). هذا والعدد الوارد في القرآن الكريم المشار إليه خاص أو يكاد بكلمتيْ ابن السبيل، وابن مريم، أي باستثناء ثلاث كلمات من أربع وثلاثين كلمة.

8 – ونختم الحديث عن هذه الأمثلة التي سطرناها في جدول الحلقة (27) بالمثال الأخير رقم (8) وهو: «هذه هند ابنة فلان» و«هذه هند بنت فلان».

والأمر بخصوص هذا المثال يتعلق بحالة حرفين في كلمة «البنوة المؤنثة هما همزة الوصل من حيث إثباتها أو حذفها، وتاء البنوة التي تكتب هاء عند إثبات همزة الوصل في هذه الكلمة (ابنة) أو تاء مبسوطة عند حذفها (بنْت). وفي هذا يقول ابن قتيبة: “وتكتب «هذه ابنة فلان» بالألف والهاء [ويعني بالألف همزة الوصل، وبالهاء التاء المربوطة]. فإذا أسقطت الألف كتبت «هذه هند بنت فلان…» قال الله : ومريم ابنة عمران(التحريم: 12).

والملاحظ أن الحديث عن همزة الوصل في أغلب ما بين أيدينا من المصادر والمراجع لا يتعلق في الغالب إلا بحالتها التي يبتدأ بها في الكلمة، دون الاهتمام بأحوال الكلمات التي توجب إثبات همزة الوصل في بدايتها أو حذفها على غرار ما تقدم عند ابن قتيبة، ولإثبات هذه الحالة نورد بعض النصوص التي تتحدث عنها فيما يلي:

يقول ابن يعيش -وهو يشرح قول الزمخشري- “إنما سميت هذه الهمزة همزة الوصل» لأنها تسقط في الدرج فتصل ما قبلها إلى ما بعدها، ولا تقطعه عنه كما يفعل غيرها من الحروف، وقيل سميت وصلا لأنه يُتوصل بها إلى النطق بالساكن”. (شرح الفصل 9/136).

ويقول ابن جني وهو بصدد الحديث عن أحوال الهمزة بصفة عامة التي منها همزة الوصل: “واعلم أن هذه الهمزة إنما جيء بها توصلا إلى النطق بالساكن بعدها لما لم يكن الابتداء به..» (112).

ويقول بخصوص الكلمات التي تزاد فيها: “وأما همزة الوصل فموضع زيادتها: الفعل، وقد زيدت في أسماء معلومة وحرف واحد.

فأما الفعل فتقع منه في موضعين:

أحدهما: الماضي إذا تجاوزت عدته أربعة أحرف وأولها همزة فهي همزة وصل نحو: اقتدر، وانطق، واستخرج، واحمر، واصفارّ.

والموضع الآخر: مثال الأمر من كل فعل انفتح فيه حرف المضارعة وسكن ما بعده، وذلك نحو يضرب ويقتل، وينطلق، ويقتدر، فإن أمرت قلت: اضرب، انطلق، اقتدر…

وأما زيادتها في الأسماء فعلى ضربين:

أحدهما: أسماء هي مصادر. والآخر: أسماء غير مصادر.

فأما المصادر فكل مصدر كانت في أول فعله الماضي همزة وصل، ووقعت في أوله هو أيضا همزة فهي همزة وصل، وذلك نحو: اقتدر اقتدارا، واشتغل اشتغالا، واستخرج استخراجا، فهذه المصادر، ومنها: اطَّيَّر اطَّيَّارا، واثَّاقل اثِّقالا، و ادَّاركوا فيها(الأعراف: 36) ادِّراكاً.

وأما الأسماء التي فيها همزة وصل فهي عشرة أسماء معدودة وهي: ابن، وابنة، وامرؤ، وامرأة، واثنان، واسم، وأست، وابنُم بمعنى ابن، وأيمن في القسم…

وأما الحرف الذي زيدت فيه همزة الوصل فلام التعريف، وذلك نحو: الغلام والجارية، والقائم، والقاعد، وإنما جيء بها أيضا لسكون لام التعريف… (سر صناعة الإعراب 1/111-116 (بتصرف)).

هكذا يتضح من النص أعلاه أن إثبات همزة الوصل في اسم ابن أصل، وأن حذفها فرع، لكن الذي ينبغي الانتباه إليه هو أنواع القواعد التي أوردها بن قتيبة في سياق حديثه عن أحوال كتابة همزة ابن في سياق الكلام في الأمثلة الثمانية التي سطرناها في جدول الحلقة (27) وناقشناها في الحلقة (28). تلك القواعد التي يجب على مستعمل اللغة العربية أن يكون على بينة منها بدليل الخطاب الموجه إليه مثل قوله: «كَتَبْتَهُ» و«وإن أَنْتَ ثَنَّيْتَ الابن ألحقتَ فيه الألف» وهكذا تكرر ضمير الخطاب في الأمثلة التي أوردها ابن قتيبة في شرح هذه المسألة، وهذا يذكرنا باستعمالات سيبويه كما مر في الحلقة (24) التي وضعنا لها عنوانا فرعيا هو: “دليل المعلم لإرشاد المتعلم”.

النوع الثالث: مقابلة بين نوعين من الكلمات كما أشرنا إليه في الحلقة (26) وفيه يقول الثعالبي: “فصل في الجمع الذي ليس بينه وبين واحده إلا الهاء. هذا الجمع يذكر ويؤنث وهو كقولهم: ثَمْرٌ وثمْرَةٌ، وسحابٌ وسحَابةٌ، وصخرٌ وصخرةٌ، وروض وروضةٌ، وشجرٌ وشجرةٌ، ونخلٌ ونخلةٌ، وفي القرآن العزيز: والنخل باسقاتٌ لها طلع نضيد. وقال تعالى: إن البقرَ تشابه علينا. وقال تعالى: والسحابُ المسخرُ بين السماء والارض لآيات لقوم يعقلون. فذكَّر وقال في مكان آخر: حتى إذا أقلَّت سحاباً. فأنثَّ ثم قال: سقناه لبلد ميت، فرد إلى أصل التذكير». (فقه اللغة وسر العربية 381).

إنها المباني التي تحدد المعاني.

د. الحسين كنوان

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *