الإعجاز القرآني ومقاصده


لقد بعث الله تعالى رسله مبشرين ومنذرين وأيدهم بمعجزات عظيمة تؤكد صدق نبوتهم، وهكذا كانت معجزة موسى  تحويلَ العصا إلى حية كبرى، وإدخالَ يده في جيبه فتخرج بيضاء من غير سوء آية لقومه، وكانت معجزة عيسى  إحياءَ الموتى وإبراء الأبرص والأعمى، ومعجزة صالح  الناقة التي تخرج من الصخر، وهكذا كان لكل رسول معجزة لها علاقة باهتمامات قومه وتميزه عن غيره.

وإذا تأملنا هذه المعجزات كلها نجدها لا تعدو أن تكون حسية؛ أي محسوسة ما تلبث أن تكون خبرا يصدقه من يصدقه ويكذبه من يكذبه بعد موت الرسول وقومه، أما سيدنا محمد  فقد أيده الله تعالى بمعجزة تناسب كونه خاتم الأنبياء والمرسلين وتناسب كونه مبعوثا للناس أجمعين. إنه المعجزة الخالدة: القرآن العظيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد.

فما المقصود بالإعجاز القرآني؟ وما الحكمة منه؟

مفهوم الإعجاز القرآني:

الإعجاز في اللغة: عرفه الفراهيدي في كتاب العين بقوله: “عجز: أعجزني فلان إذا عجزت عن طلبه وإدراكه، والعجز نقيض الحزم. وعجز يعجز عجزا فهو عاجز: ضعيف” (كتاب العين، باب العين والجيم والزاي، ج 1 ص 215.).

وفي الاصطلاح: هو كما عرفه التهانوي: “العجز في اصطلاح البلغاء هو الإتيان بمعنى تركيبي لا يستطاع إكماله، ولا يحاط بكل ما يرمي إليه” (كشاف اصطلاحات الفنون، ج 2 ص 1165).

وإعجاز القرآن مركب إضافي مكون من مضاف ومضاف إليه، وتقديره: أعجز القرآن الناس على أن يأتوا بمثله، ومعنى هذا أن القرآن صار معجزا لهم حيث أوقع بهم العجز والضعف والقصور والانهزام والاستسلام.

من حِكم الإعجاز القرآني:

لقد تحدى الله تعالى في بداية الأمر قريشا -وهم فطاحلة اللغة وجهابذة البلاغة وعلماء الأدب- أن يأتوا بكتاب مثل القرآن الكريم فعجزوا وأنى لهم ذلك، قال تعالى:قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الانسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَاتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَو كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا(الإسراء: 88)، ثم رفع الله لهم التحدي فتحداهم بالإتيان بعشر سور مثله فما استطاعوا أن يأتوا بمثلها وما استطاعوا لذلك سبيلا، قال تعالى: أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَاتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِين(يونس:38). ثم رفع التحدي مرة أخرى فتحداهم أن يأتوا بسورة واحدة مثله، فقال تعالى: أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَاتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ(هود: 13)، وهيهات هيهات فإنه كلام رب العالمين !!

وإن للإعجاز القرآني حكما وقاصد كثيرة يمكن إجمالها كالآتي:

أ – الإعجاز القرآني دليل على صدق نبوة محمد ؛ وهذا هو المقصد الأسمى من تأييد الرسل جميعهم بالمعجزات.

ب – دليل قاطع على ربانية مصدر كتاب الله تعالى؛ فإعجازه دليل واضح على أنه كلام رب العالمين، ولا يمكن لبشر الإتيان بمثله، وفي هذا دحض لدعوى أعداء الإسلام الذين ادعوا أنه من تأليف محمد ؛ بل إن من كمال الإعجاز في هذه المسألة أن النبي  لم يكن يقرأ أو يكتب. قال تعالى: وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ(العنكبوت: 48). وقال تعالى: أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا(النساء: 82).

ج – دحض افتراءات المعاندين وفضح نواياهم وكشف أسرارهم.

د – تثبيت قلب رسول الله  وطمأنة المؤمنين وتقوية الإيمان في قلوبهم. قال تعالى: كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ(الفرقان: 32)، وقال تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ(التوبة: 124).

هـ – شحذ همم المسلمين للبحث في القرآن الكريم لاستكشاف مختلف الظواهر والعلوم ومدهم بالهدايات التي ينطلقون منها….

وفي الأخير تجدر الإشارة إلى أن القرآن الكريم هو كتاب هداية وإرشاد بالدرجة الأولى، ولذلك لا يجب الاستغراق في استخراج النظريات العلمية واستنباط وجوه إعجازه على حساب وظيفته الأولى؛ وظيفة الهداية وإخراج الناس من الظلمات إلى النور. قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ(المائدة: 15-16)، وإنما ينبغي الجمع بين الأمرين، وذلك بتوجيه الإعجاز القرآني ليصبح وسيلة من وسائل الدعوة إلى الله ، واستمداد هداياته لإصلاح الإنسان وإرشاده لإقامة مجتمع فاضل.

محمد معطلاوي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *