الأدلة والاجتهاد عند الأصوليين:العلاقات والآثار


بعد نشر المقالين السابقين؛ اللذين ارتبط الأول منهما ببيان أوجه الاتصال بين الأدلة والأحكام عند الأصوليين وصلتها بالتعلم. فيما أبرز الثاني صلات الأدلة بالدلالة عند الأصوليين وأثرها في بناء التعلمات، فإن هذا الجديد سيعرض فيه الكاتب علاقة الأدلة بالاجتهاد مع بيان أهميتها في التعليم والتعلم.

وإلى القارئ الفاضل البيان بعد الإجمال:

إذا كان الأصوليون يعرفون الدليل على أنه هو الذي «…يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري»(1).

والاجتهاد على أنه: « بذل الوسع في نيل حكم شرعي عملي بطريق الاستنباط»(2).

فإن العلاقة بينهما تظهر من جهتين: جهة يكون فيها الدليل حاكما للمجتهد في عملية الاستنباط؛ بحيث يكون هو الموجه له. وجهة يكون فيها المجتهد مشتغلا على نفس الدليل من أجل الاستنباط؛ ذلك أن المستثمر –أي المجتهد- لابد أن يستند إلى دليل في عملية الاجتهاد ولا يمكنه أن يستغني عنه، إذ الدليل هو مرشده إلى الصواب، وهو مستنده في إثبات القضية أو نفيها، ولا حكم له على قضية من القضايا إلا بالاستناد إلى دليل من الأدلة «وأما مبحث الاجتهاد والتقليد فهو إلحاق يبين موقف المكلفين حيال مباحث أصول الفقه أدلة ودلالات، فمن استحوذ عليها كان مجتهدا، وإلا كان مقلدا…»(3).

ونحن في تدريس الأدلة هنا نعلم الطالب أن يتمرن على قضية ربط الدليل بأي قضية استدل بها كيف ما كانت في حياته اليومية كلها.

والغرض من ذلك؛ تعليمه أن لا يتكلم إلا عن دليل متأكد من صحته يقينا، وأن لا يتسرع في الحكم على الأشياء قبل معرفة مستندها.

فالمجتهد يقاس بمدى تمكنه من الدليل الشرعي، ومدى معرفته باستخراج الأحكام الشرعية منه، وكذا بمعرفة مراتب دلالته وضوحا وخفاء، حتى ينزله منزلة صحيحة واضحة صالحة لزمانه ومكانه وعصره.

ولا يقاس المجتهد بمدى ترداده للمتون وحفظ المجلدات والكتب.

إنما المجتهد من اقتدر على أن يحسن الفهم والاستنباط والتوظيف والتنزيل، ومن حصل هذا؛ كان لما سواه أضبط، وعلى غيره أقدر؛ لأنه ملك مداخل العلم ومناهجه وكيفه، بدل أن يملك أطنانه وكمه وتفاصيله؛ لأن تناول العلم بالمنهج يوفر على صاحبه الوقت والجهد الموظفين، ويقصر عليه التعامل مع تفاصيل العلم حتى لا يتيه بين شعبه الكثيرة.

في حين؛ أن الذي يتعامل مع العلم بالمعرفة الكمية ولا يوظفها بالمنهج، يتيه به الحال في الفن الواحد بين التفاصيل، فيسد في عقله طريق الفهم الصحيح، وتختلط عليه مسائل العلم الكثيرة، فيضيع جهده ووقته، وقد لا يصل الباحث في هذا الحال إلى أي نتيجة تسعده بعد عناء طويل.

والغرض من هذا البيان في هذا المقام؛ هو معرفة مدى أهمية الدليل في العملية الاجتهادية، فالذي يؤصل بعد نظر في الدليل، ليس هو من يفعل ذلك ارتجالا، فالأول أضبط وألصق بالمنهج العلمي الرزين، وأما الثاني فإنه يتكلم بغير وجه معتبر لغة وشرعا.

ذلك أن الخلفية التي تحكم المجتهد في عملية الاجتهاد هي الدليل؛ لأنه منه ينطلق وإليه يعود، فلا محيد له عنه، وإلا كان اجتهاده خاطئا، فضل بنفسه وأضل معه الناس، وهذه هي المعضلة الكبرى؛ لأن الله يعبد عن علم وليس عن جهل.

وما دام الأمر كذلك، فإن الله سبحانه لم يترك الإنسان بدون دليل يدله، أو مرشد يرشده، بل أرسل إليه الرسل بالبراهين والحجج، حتى لا يكون لهذا الإنسان حجة على الله؛ لأن الحق أقام الحجة عليك بالدليل، فيجب عليك أنت أيها الإنسان أن تقيم الاجتهاد بالدليل؛ لتنقذ نفسك وتنقذ معك على الأقل بعضا من الخلق الذين وصلهم اجتهادك، والله الموفق وهو يهدي السبيل.

والله المستعان، ولا تنسونا من صالح دعائكم والسلام عليكم.

المصطفى خرشيش

——————

1 – الإحكام في أصول الأحكام للآمدي (تـــــ: 631هـ)، تحقيق: عبد الرزاق عفيفي، دار المكتب الإسلامي، بيروت- دمشق- لبنان، ج:1، ص:9.

2 –  البحر المحيط في أصول الفقه للزركشي(تـــ 794هـــ)، دار الكتبي، ط: الأولى، 1414هـ – 1994م، ج:8، ص:227.

3 – غمرات الأصول مشاري بن سعد بن عبد الله الشثري، ص:28.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *