نصـوص الإعجـاز القرآنـي (3)


تُعنى هذه الزاوية بجمع ما تناثر من نصوص الإعجاز القرآني في غير مصادره المتخصصة، وما تناثر في هذه المصادر لكن لغير مؤلفيها، كما تُعنى بتصنيفها حسب تاريخ وفاة أصحابها، وذلك خدمة لمكتبة هذا العلم، وفتحا لآفاق جديدة للبحث فيه، ومحاولة لإقامة (الموسوعة التاريخية لنصوص الإعجاز القرآني في التراث العربي).

(تتمة نصوص الجاحظ (ت255هـ))

 (6)

«ولم نقل إن العدد الكثير لا يجتمعون على الخبر الباطل، كالتكذيب والتصديق، ونحن قد نجد اليهود والنصارى، والمجوس والزنادقة، والدَّهرية وعُباد البِددة(1) يكذّبون النبي ، وينكرون آياته وأعلامَه، ويقولون: لم يأت بشيء، ولا بانَ بشيء.

وإنما قلنا: إن العدد الكثير لا يتفقون على مثل إخبارهم أن محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، التهامي الأبطحي عليه السلام خرج بمكة، ودعا إلى كذا، وأمر بكذا، ونهى عن كذا، وأباح كذا، وجاء بهذا الكتاب الذي نقرؤه، فوجب العمل بما فيه، وأنه تحدى البلغاء والخطباء والشعراء، بنظمه وتأليفه، في المواضع الكثيرة، والمحافل العظيمة. فلم يرُمْ ذلك أحد ولا تكلَّفه، ولا أتى ببعضه ولا شبيه منه، ولا ادّعى أنه قد فعل، فيكون ذلك الخبرُ باطلاً.

وليس قول جمعهم إنه كان كاذباً معارضةً لهذا الخبر، إلا أن يسموا الإنكار معارضة. وإنما المعارضة مثل الموازَنَة والمكايَلَة، فمتى قابلونا بأخبار في وزن أخبارنا ومَخرجها ومَجيئها، فقد عارضونا ووازنونا وقابلونا، وقد تكافينا وتدافعنا.

فأما الإنكار فليس بحجة، كما أن الإقرار ليس بحجّة، ولا تصديقنا النبي  حُجة على غيرنا، ولا تكذيبُ غيرنا له حُجّة علينا، وإنما الحُجة في المجيء الذي لا يمكن في الباطل مثله».

[حجج النبوة، رسائل الجاحظ، 3/250-251]

(7)

«… وكذلك وعْدُ محمد عليه السلام بنار الأبد، كوعيد موسى بني إسرائيل بإلقاء الهُلاس(2) على زروعهم، والهمّ على أفئدتهم، وتسليط المُوتان على ماشيتهم، وبإخراجهم من ديارهم، وأن يظفر بهم عدوُّهم. فكان تعجيل العذاب الأدنى في استدعائهم واستمالتهم، وردعهم عما يريد بهم، وتعديل طبائعهم، كتأخير العذاب الشديد على غيرهم، لأن الشديد المؤخر لا يزجُر إلا أصحاب النظر في العواقب، وأصحاب العقول التي تذهب في المذاهب.

فسبحان من خالف بين طبائعهم وشرائعهم ليتّفقوا على مصالحهم في دنياهم، ومَراشدهم في دينهم، مع أن محمداً  مخصوصٌ بعلامة لها في العقل موقع، كموقع فلْق البحر من العَين، وذلك قوله لقريش خاصة، وللعرب عامة، مع ما فيهما من الشعراء والخطباء والبلغاء، والدهاة والحُلماء، وأصحاب الرأي والمكيدة، والتجارب والنّظر في العاقبة: إن عارضتموني بسورة واحدة فقد كذبتُ في دعواي، وصَدَقتم في تكذيبي.

[حجج النبوة، رسائل الجاحظ، 3/272-273]

(8)

«ولا يجوز أن يكون مثلُ العرب في كثرة عددهم واختلاف عللهم، والكلامُ كلامهم، وهو سيّدُ عِلمهم، فقد فاض بيانهم، وجاشت به صدورهم، وغلبتهم قُوَّتُهم عليه عند أنفسهم، حتى قالوا في الحيّات والعقارب، والذباب والكِلاب، والخَنافس والجِعلان، والحمير والحمام، وكل ما دَبّ ودرج، ولاح لِعينٍ، وخطر على قلب. ولهم بعدُ أصناف النظم، وضروب التأليف، كالقصيد، والرجز، والمزدوج، والمجانس، والأسجاع، والمنثور.

وبعد، فقد هجوه من كل جانب، وهاجى أصحابُه شعراءهم، ونازعوا خطباءهم، وحاجّوه في المواقف، وخاصَمُوه في المواسم، وبادَوْه العداوة، وناصَبُوه الحرب، فقَتَل منهم، وقَتَلوا منه، وهم أثبتُ الناس حِقداً، وأبعدُهم مطلباً، وأذكرهم لخير أو لشرّ، وأنْفاهم له، وأهجاهم بالعَجْز، وأمدحهم بالقوَّة، ثم لا يُعارضه معارضٌ، ولم يتكلف ذلك خطيبٌ ولا شاعر.

ومحال في التعارف، ومستنكَرٌ في التصادق، أن يكون الكلامُ أخصَرَ عندهم، وأيسرَ مَئونةً عليهم، وهو أبلغ في تكذيبهم وأنقضُ لقوله، وأجدر أن يعرف ذلك أصحابُه فيجتمعوا على ترك استعماله، والاستغناء به، وهم يبذلون مُهَجَهم وأموالهم، ويخرجون من ديارهم في إطفاء أمره، وفي توهين ما جاء به، ولا يقولون، بل لا يقول واحدٌ من جماعتهم: لِمَ تقتلون أنفسكم، وتستهلكون أموالكم، وتَخرجون من دياركم، والحيلةُ في أمره يسيرة، والمأخذ في أمره قريب؟! ليؤلِّف واحد من شعرائكم وخطبائكم كلاماً في نظم كلامه، كأقصر سورة يخذِّلكم بها، وكأصغر آية دعاكُم إلى معارضتها. بل لو نَسوا، ما تركهم حتى يذكِّرَهم، ولو تغافلوا ما ترك أن ينبّههم، بل لم يرض بالتَّنبيه دون التوقيف.

فدل ذلك العاقلَ على أن أمرهم في ذلك لا يخلو من أحد أمرين:

إما أن يكونوا عَرَفوا عجزهم، وأن مِثل ذلك لا يتهيأُ لهم، فرأوا أن الإضراب عن ذكره، والتغافلَ عنه في هذا الباب وإن قرّعهم به، أمثَل لهم في التدبير، وأجدَر أن لا يتكشف أمرُهم للجاهل والضعيف، وأجدر أن يَجدوا إلى الدعوى سبيلاً، وإلى اختداع الأنبياء سبباً، فقد ادّعوا القدرة بعد المعرفة بعجزهم عنه، وهو قوله عز ذكره: وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا(الأنفال: 31).

وهل يُذعِن الأعرابُ وأصحاب الجاهلية للتقريع بالعجز، والتوقيف على النقص، ثم لا يَبذلون مجهودهم، ولا يخرجون مكنونهم، وهم أشدُّ خلق الله  أنَفَة، وأفرطُ حمية، وأطلبه بطائلة، وقد سمعوه في كل مَنهل وموقف. والناس موكَّلُون بالخَطَابات، مُولعون بالبَلاغات. فمن كان شاهداً فقد سمعه، ومن كان غائباً فقد أتاه به من لم يُزوِّده.

وإما أن يكون غير ذلك.

ولا يجوز أن يُطْبِقوا على ترك المعارضة وهم يقدرون عليها، لأنه لا يجوز على العدد الكثير من العُقلاء والدهاة والحُلَماء، مع اختلاف عِلَلهم، وبُعْد هممهم، وشدَّة عداوتهم الإطباق على بذل الكثير، وصَون اليسير.

وهذا من ظاهر التَّدبير، ومن جليل الأُمور التي لا تَخفى على الجُهال فكيف على العقلاء، وأهل المعارف فكيف على الأعداء، لأن تحبير الكلام أهوَنُ من القتال، ومن إخراج المال.

ولم يُقَل: إن القوم قد تركوا مساءَلته في القرآن والطعنَ فيه، بعد أن كثُرت خصومتهم في غيره.

ويدلُّك على ذلك قوله : وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً(الفرقان: 32)، وقوله عز ذكره: وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ(يونس: 15)، وقوله تعالى جل ذكره: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ(الفرقان: 4).

ويدلك كثرة هذه المراجعة، وطولُ هذه المناقلة، على أن التقريع لهم بالعجز كان فاشياً، وأن عجزهم كان ظاهراً.

[حجج النبوة، رسائل الجاحظ، 3/273-277]

د. الحسين زروق

————

1 – البددة جمع بد، وهو الصنم.

2 – الهلاس: شبه السل من الهزال.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *