مع سيرة رسول الله – السيرة الكاملة الشاملة: التسمية والمفهوم (3)


المبحث الثاني: مفهوم شمول السيرة

بناء على هذا وبالجمع بين قراءة القرآن والسنة وفق ترتيبهما التاريخي في مجالي الدعوة والتزكية -على سبيل المثال- ينكشف للقارئ المنهاج القرآني الذي كان دليل الرسول وعمود سيرته وهيكلها وسداها، كما ينكشف التنزيل النبوي لهذا المنهاج.
فلنتعرف على ذلك من خلال المثالين التاليين:
المثال الأول: عناصر من السيرة الدعوية
السيرة الدعوية منثورة في القرآن والسنة، ولكن باستقرائهما على النحو المذكور يتأتى استخراج منهاج الدعوة النبوية الذي نزله الله على قلب الرسول ، ونزله الرسول على أرض الواقع.
أما القرآن فمن يتدبره تلوح له عناصر منهاج الدعوة الذي أطر الله به السيرة الدعوية للنبي ، ومن هذه العناصر:
العنصر الأول: القرآن هو وسيلة الدعوة
أمر الله رسوله في بدايات الدعوة باتخاذ القرآن وسيلته في الدعوة، فقال الله تعالى: فذكر بالقرآن من يخاف وعيد (ق:45)، ثم قال له: وجاهدهم به جهادا كبيرا (الفرقان: 52). وهكذا كلفه الله في وقت مبكر بالجهاد وحصر جهاده في الجهاد باللسان، وحصر جهاده اللساني في الجهاد بالقرآن وأكد له الأمر بذلك من بعد كما في قوله تعالى: وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم (الأنعام: 57).
وتمثل جهاده بالقرآن في تلاوته على الناس، فكانت الصفة الكبرى للدعوة النبوية أنها تلاوة للقرآن، بل كادت مهمته أن تنحصر فيها كما قال الله تعالى على لسانه: وأمرت أن أكون من المسلمين وأن أتلو القرآن فمن اهتدى فلنفسه (النمل: 92). وقال له أيضا: كذلك أرسلناك في أمة قد خلت من قبلها أمم لتتلو عليهم الذي أوحينا إليك (الرعد: 3).
وظلت تلاوة القرآن على الكافرين صفة ملازمة لعمل الرسول وتكليفا مصاحبا له إلى آخر المرحلة المكية كما يدل على ذلك قوله تعالى: اتلُ ما أوحي إليك من الكتاب من سورة العنكبوت وهي من أواخر ما نزل بمكة، ثم توالى عمله بهذه الطريقة في المدينة كما تدل على ذلك آيات سورة الحج وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر . وكذا آيات سورة الطلاق الذين آمنوا قد أنزل الله إليكم ذكرا رسولا يتلو عليكم آيات الله مبينات ليخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الظلمات إلى النور .
العنصر الثاني: التدرج في التمدد الدعوي
قام محمد بواجب الدعوة إلى الله منذ قال الله تعالى له: قم فأنذر ، وقد أشعره الله في وقت مبكر بأنه داعية عالمي كما في قوله تعال: تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا من سورة الفرقان، لكنه لم يكلفه بأن يكون عالميا من أول وهلة بل تدرج به إلى العالمية كما يلي:
أولا: دعوته كل من يتوسم فيه خيرا أو يرجو فيه استجابة.
ثانيا: دعوته لعشيرته الأقربين.
ثالثا: دعوته سائر القبائل بعد تمنع قريش وحصارها للدعوة وتحصينها أبناءها منها.
رابعا: دعوته لأهل الكتاب العرب.
خامسا: دعوته لسائر الأمم من غير العرب.
العنصر الثالث: التدرج في المضمون الدعوي
تدرج المضمون الدعوي وفق المدارج التالية:
أولا: بيان أن الناس في ضلال لا يعرفون ربهم وأنهم في حاجة إلى هدايته ودعوتهم إلى عبادة الله خالقهم وترك عبادة الشيطان عدوهم.
ثانيا: الدعوة إلى الإيمان باليوم الآخر وإقامة الدليل على إمكانه وترسيخ عقيدة الآخرة، وكان ذلك مضمون سورة القارعة والقيامة والهمزة والمرسلات وق والبلد والطارق والقمر.
ثالثا: الدعوة إلى مكارم الأخلاق من العدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وحفظ الفروج ورعاية الأمانات والقيام بالشهادات والنهي عن الفحشاء والمنكر والبغي وقتل النفس بغير الحق وشهادة الزور.
العنصر الرابع: تدرج المقاصد الدعوية
جعل الله تعالى رسوله على بصيرة من مقاصد دعوته، فكان يوضح له هذه المقاصد بالتدرج واحدة تلو الأخرى كل في وقته المناسب.
مقاصد الدعوة بمكة المكرمة:
أولا: مقصد الإنذار؛ أولى المقاصد الدعوية التي أمر الله رسوله بتحقيقها هي إنذاره الناس عذاب الله يعلمهم به ويخوفهم منه، فكان من أوائل ما نزل عليه: يا أيها المدثر قم فأنذر ، وكان أول ما أنذرهم: جهنم فأنذرتكم نارا تلظى (1).
ثانيا: مقصد التبشير: ازدوج في منتصف المرحلة المكية الإنذاري والتبشيري في أعمال الرسول مع نزول الآية السادسة والخمسين من سورة الفرقان: وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا .
وكان التبشير فيما قبل نزول سورة ص وسورة الأعراف تبشيرا مجملا وخفيفا، ثم صار يتبلور أكثر وينحو منحى التصريح مع سورة الأعراف…
مقاصد الدعوة بالمدينة المنورة:
استمر القرآن المدني في تأكيد ما أنشأ من الجمع بين الإنذار والتبشير فقال تعالى: يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا (الأحزاب:15).
كما واصل تأكيد مقصد الدعوة الأساسي الذي هو الهداية والإخراج من الظلمات إلى النور وأن محمدا -وهو الداعي إلى الله- سراج منير بسبب كون القرآن نورا مبينا، قال تعالى: يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا (النساء: 174). وقال أيضا: هو الذي ينزل على عبده آيات بينات ليخرجكم من الظلمات إلى النور (الحديد: 9).
ثم انتقل القرآن إلى الإعلان عن هدف اجتماعي دعوي في نفس الوقت وهو القيام بالقسط.
تبع ذلك في سورة النور التبشير بالاستخلاف في الأرض وتبديل الخوف أمنا.
ولما أكمل الله دينه، أوكاد، أعلن عن الهدف النهائي للدعوة الإسلامية على يد الرسول وهو ظهور الدين في الأرض وتمكينه فيها وبروز تميزه عن سائر الأديان.
هذه بعض معالم المنهاج التي أعطاها الاستقراء الأولي للقرآن، وبإتمام استقرائه يمكن الوقوف على معالم أخرى تتعلق بوسائل الدعوة وأساليبها ونحو ذلك مما يندرج في ما سماه الدكتور الشاهد البوشيخي بالهدى المنهاجي(2)، وفي السنة لمن استقرأها تفاصيل تطبيقية لذلك المنهاج القرآني؛ منزلة كل واحدة منها على وقتها ومكانها وإنسانها.
المثال الثاني: عناصر من السيرة التربوية
السيرة التربوية كالسيرة الدعوية رسم لها القرآن معالم المنهاج، فنزلت في البدء آيات ترسيخ الإيمان بالله واليوم الآخر، وعززت بآيات الأمر بمكارم الأخلاق كلها: الأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى والوفاء بالعهد ورعاية الأمانة والقيام بالشهادة وحفظ الفروج والدفع بالتي هي أحسن والنهي عن مساوئ الأخلاق من الفحشاء والمنكر والبغي والتطفيف في المكيال والميزان والقتل بغير حق والزنا وشهادة الزور… ولم تكن هذه الأخلاق مما يجادل فيه أحد من الناس، وهي أخلاق يقتضيها التعريف بالدعوة ونجاحها وتأثير الدعاة في محيطهم.
ونزل عقب الشروع في الصدع بالحق الأمر بالعفو والصبر والإعراض عن الجاهلين، وهي خصال تتطلبها مصلحة حفظ الدعوة من مواجهات غير متوازنة مع الأعداء المستفزين في وقت كان المؤمنون فيه مستضعفين ولم يكن للدعوة من قوة سوى قوة الحجة.
وكانت تزكية الرسول لأنفس المستجيبين لدعوته بهذه المعاني تجري بدار الأرقم، ثم هاجر إلى المدينة فتحولت الوسيلة من الدار إلى المسجد، فأصبح يزكيهم بوسيلة خطبة الجمعة ووسيلة الموعظة التي كان يتخولهم بها مخافة السآمة عليهم.
فكان في الخطبة يزكي أصحابه بما يعالج أنفسهم والأحوال العامة، فكان في حال الفقر والحاجة يرغب في التكافل كما فعل في خطبته الأولى بالمدينة التي تزامنت مع قدوم صحابة أخرجوا من ديارهم وأموالهم. قال أبو سلمة بن عبد الرحمن: أول خطبة خطبها رسول الله بالمدينة، أن قام فيهم، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: «أما بعد، أيها الناس، فقدموا لأنفسكم، تعلمن والله، ليصعقن أحدكم، ثم ليدعن غنمه، ليس لها راع، ثم ليقولن له ربه -ليس له ترجمانٌ، ولا حاجب يحجبه دونه-: ألم يأتك رسولي، فيبلغك، وآتيتك مالاً، وأفضلت، فما قدمت لنفسك؟ فينظر يميناً وشمالا، فلا يرى شيئاً، ثم ينظر قدامه، فلا يرى غير جهنم، فمن استطاع أن يقي وجهه من النار ولو بشق تمرة فليفعل، ومن لم يفعل فبكلمة طيبة؟ فإن بها تجزئ الحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، والسلام على رسول الله ورحمته وبركاته»(3).
وكذلك كان يفعل في مواعظه وتوصياته بالمدينة المنورة: ففي صحيح البخاري عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رضى الله عنهما أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ النَّبِىَّ أَيُّ الإِسْلاَمِ خَيْرٌ، قَالَ: «تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلاَمَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ».
قَالَ ابن حجر: “وَخَصَّ هَاتَيْنِ الْخَصْلَتَيْنِ بِالذِّكْرِ لِمَسِيسِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِمَا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لِمَا كَانُوا فِيهِ مِنَ الْجَهْدِ وَلِمَصْلَحَةِ التَّأْلِيفِ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ حَثَّ عَلَيْهِمَا أَوَّلَ مَا دَخَلَ الْمَدِينَةَ كَمَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ مُصَحَّحًا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ. قَوْلُهُ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ أَيْ لَا تَخُصَّ بِهِ أَحَدًا تَكَبُّرًا أَوْ تَصَنُّعًا بَلْ تَعْظِيمًا لِشِعَارِ الْإِسْلَامِ وَمُرَاعَاةً لِأُخُوَّةِ الْمُسْلِمِ أَوْ أَنَّ النَّهْيَ مُتَأَخِّرٌ وَكَانَ هَذَا عَامًّا لِمَصْلَحَةِ التَّأْلِيفِ”(4).
ولما كبرت الجماعة المسلمة صارت تظهر فوارق شخصية بين الصفوة من الصحابة وبين عموم المسلمين، فشرع النبي في استعمال منهج مراعاة الفروق الفردية أو ما سماه أبو إسحاق الشاطبي: “تحقيق المناط الخاص”، بحيث صار يحدث خواص الصحابة بما لا يحدث به العامة، كما دل على ذلك حديث وابصة “استفت قلبك..”، وحديث أبي هريرة الذي أنبأه فيه بأول من تسعر بهم النار يوم القيامة، وحديث حذيفة المتعلق بحق العباد على الله… وصار في إنفاق المال يقبل من بعضهم ما لا يقبله من آخرين، ويعطي للبعض منهم ما لا يعطي غيرهم، وصار يجمع بين معاملة صفوتهم بالجد -باعتباره اللائق بمقامها- وبين معاملة عوام المسلمين بالمداعبة والمزاح على سبيل التعديل لشخصيات بعضهم والتليين لطباعهم، وعلى سبيل التطييب لخواطر آخرين…
ولو ذهبنا نستقرئ مثل هذا في القرآن والسنة استقراء تاما لوجدنا منه شيئا ذا بال مما هو غير موجود فيما بين أيدينا من تراث السيرة.
وما قيل في السيرتين الدعوية والتربوية يقال في سائر السير التي ينبغي أن تتضمنها وتتكون منها السيرة النبوية الكاملة الشاملة.

د. زيد بوشعراء
——————-
1 – يؤكد أولية الإنذار أن الرسول في أول دعوته للمشركين من أقاربه كان لهم منذرا فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ
(الشعراء: 214)، صَعِدَ النَّبِيُّ َ عَلَى الصَّفَا، فَجَعَلَ يُنَادِي: «يَا بَنِي فِهْرٍ، يَا بَنِي عَدِيٍّ» -لِبُطُونِ قُرَيْشٍ- حَتَّى اجْتَمَعُوا فَجَعَلَ الرَّجُلُ إِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَخْرُجَ أَرْسَلَ رَسُولًا لِيَنْظُرَ مَا هُوَ، فَجَاءَ أَبُو لَهَبٍ وَقُرَيْشٌ، فَقَالَ: «أَرَأَيْتَكُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلًا بِالوَادِي تُرِيدُ أَنْ تُغِيرَ عَلَيْكُمْ، أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ؟» قَالُوا: نَعَمْ، مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ إِلَّا صِدْقًا، قَالَ: «فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ».
2 – انظر “نظرات في الهدى المنهاجي في القرآن الكريم” له.
3 – فتح الباري لابن رجب:9-271. باب من قال في الخطبة بعد الثناء وهو الباب 29.
4 – فتح الباري كتاب الإيمان باب إطعام الطعام من الإسلام.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *