مع سيرة رسول الله – البــحـث فــي السـيـرة الـنـبـويـة ومـسـالـك الـرصـف


مقال على هامش “المؤتمر العالمي الثالث للباحثين في السيرة النبوية”

اتفق الدارسون على أهمية وضرورة العناية بالسيرة النبوية العطرة؛ ليس فقط لكونها تقرب لنا صورة أعظم أنموذج لرسول الله ، ولكن لكون العناية بها أضحت حاجة حضارية ملحة، إذ يؤكد خبراء الشريعة وفرسان العلم أن بريق إنقاذ الأمة من عنائها وتخليصها من وحل واقعها؛ يلمع من سيرة الرسول الأكرم ، ولكون السيرة شاملة للقرآن والسنة فهي الوجه العملي للوحي وفيها كان التحويل السليم للدين إلى تدين في صورة هي قمة الجمال والكمال.

غير أن النظر للسيرة بهذا الاعتبار يقتضي بالأساس ألا يقتصر على الإشادة بالسيرة والتبرك بها وسردها في المناسبات والاحتفالات، بل تستلزم صياغتها في مشاريع علمية وعملية مقصودة؛ يحملها رجال ونساء أصحاب هم وهمة يبتغون بذلك وجه الله  في هداية الأمة، لهم مرمى لا يُشغلهم عليه شاغل، محركهم الضمير الحي والشعور بالمسؤولية وجسامة الأمانة، وعلامات سيرهم على النهج السليم والسبيل القويم ما يُكابدونه من معيقات وتحديات لا تزيد العزائم إلا إصرارا، ولا تزيد الهمم إلا اتقادا.

ولعل مؤسسة “مبدع” المبدعة أعطت انطلاقة لهذا المشروع الكبير وتدشينا لهذا المسار الطويل؛ من خلال مؤتمراتها التي تنظمها في هذا الشأن وقد كان آخرها في موضوع “السيرة النبوية الشاملة الكاملة” الذي تناول قضايا غاية في العمق سواء على المستوى النظري أو المنهجي أو التطبيقي.

وقد استوقفني إشكال من بين عدة إشكالات أخرى بقي معلقا وترك للبحث والإنضاج، ومفاده على أي صورة يمكن كتابة السيرة النبوية بالشكل الشامل والنص الكامل؟ هل يُعتمد التحقيب الزماني؟ أم تقسم السيرة وفق موضوعاتها فتتناول السيرة النبوية والمجتمع، السيرة والأسرة، السيرة والدولة..أم وفق تقسيمات أخرى؟

أقول إن التحقيب الزماني للسيرة لا يمكن تجاوزه، إذ يعد هو التقسيم المركزي كما يقول الدكتور عبد المجيد النجار وباقي التقسيمات هي مساندة ومعضدة له، في حين ذهب باحثون غيره إلى اعتماد التحقيب الزماني وفق نزول القرآن الكريم، ولعل الاعتراض على القول الأول ينطلق من أن اعتماد التحقيب الزماني في تقسيم السيرة لن ينتج لنا أفضل مما هو موجود وقد يسقطنا في التَكرار والاجترار، والمسلك الذي قال باعتماد التحقيب الزماني وفق أسباب النزول يُستشكل من حيث جمع مادة السيرة وفق أسباب نزول القرآن يجعلنا نترك أحداثا كثيرة من وقائع السيرة دون رصد ولا إدراج.

ومن هذين المسلكين يمكن استخلاص مسلك وسط موفق بينهما يبدو أنه أنسب في تجميع السيرة وفق صورة أشمل وأكمل، وذلك باعتماد التحقيب الزماني للسيرة عبر المراحل الأساسية المعروفة لدى كتاب السيرة، لكن داخل كل مرحلة يكون التركيز الأكبر على القضايا التي ركز عليها القرآن الكريم من أحداث السيرة وتتبع تصريحات القرآن وتلميحاته في كل مراحل السيرة، وبذلك يمكننا تدوين السيرة الظاهرة والباطنة لرسول الله ؛ فأما الظاهرة فهي التي نقلها الرواة عن رسول الله  مما فعله أو قاله أو أقره وكذا ما وُصِف به خلقةً أو خُلقا، وأما السيرة الباطنة فأقصد بها الأحوال التي لم يتحدث بها رسول الله  ولا يعرفها عنه أحد من صحابته ولا سبيل لهم إلى ذلك؛ كحبه أو كرهه أو فرحه أو حزنه أو ما يبديه أو ما يخفيه مما لا يطلع عليه أحد إلا الله تعالى، وهذا ما نجده في سيرة رسول الله  في القرآن كقوله تعالى: وتخفي في نفسك ما الله مبديه(الأحزاب:37) وقوله: فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يومنوا بهذا الحديث أسفا(الكهف: 6)، ومن خلال هذا المنهج يمكن كتابة سيرة الرسول الكاملة في خاصته ومع أسرته ومع المجتمع وفي مهامه الرسالية وفي مشاعره وحالة مرضه وصحته في السلم والحرب في الرضا والغضب في العسر واليسر… فيكتمل عند المتلقي المشهد وتتبلور لديه الصورة الشاملة لسيرة رسول الله .

إن هذا المنهج يضمن لنا تحقيق غايات تعتبر من أكبر حاجات الأمة اليوم، أو بتسمية الأصوليين “واجب الوقت”، وعلى رأسها:

– إعادة الاعتبار للجانب القيمي في سيرة رسول الله ، وهو موطن الخلل في أخلاق الأجيال المعاصرة من الأمة.

– وكذلك يسهل على دعاة الأمة تقديم الصورة البهية لخير البرية كما يليق بمقداره  والذي قال فيه ربه: وإنك لعلى خلق عظيم(ن: 4)، وبالأخص للعالم الغربي الذي بُلورت عنده صورة قاتمة عن رسول الله  فعبر عنها بعضهم بصور مسيئة وأفلام منحطة، فيكون تعريفهم بالقيم التي جاء بها رسول الله  أحسن رد.

– تجاوز التقديم العسكري للسيرة النبوية والذي غلب على كثير من المؤلفات المدونة في سيرة رسول الله  قديما وحديثا؛ حيث لا يخفى ما فيها من تركيز على الغزوات والمعارك التي شهدها أو عاصرها رسول الله ، دون أن نقلل من أهميتها.

– تغطية جيدة للجوانب التي لم تلق العناية الكافية من سيرة المصطفى كالجانب الاقتصادي والمالي الذي ينبغي استنباطه من خلال تسليط الضوء على تجارته وبيعه وشرائه.

– التفصيل في الجانب الإنساني (الحقوقي) في حياته  وهو غير قليل وإنما يحتاج إلى إبراز وحسن عرض.

إن الاجتهاد والتجديد في منهج كتابة سيرة رسول الله  وفقه عرضها؛ ليس نافلة من القول ولا فضلة من العلم، بل هو من صلبه ومن واجبات أهله وطلبته، لكونه من حقوق رسول الله  علينا، كما قيل في حق الإمام الليث “الليث أفقه من مالك إلا أن أصحابه لم يقوموا به” ففي حق رسول الله  يمكن أن نقول إنه شمس غير أن رمد العيون وعللها حالة دون تقديره حق قدره،

وبعد هذا وقبله فإن الغاية من بلورة أفضل منهج للتعريف بأفضل البشر ليس البُغية من ورائه تشنيف المسامع بكونه عظيما أو عبقريا أو غيرها بقدر ما يُقصد بالتعريف به تبليغ رسالته ونشر هدايته للبشرية وإنقاذها من الضلال وتعميم الرحمة التي جاء بها للإنسانية التي أوشكت أن تفقد إنسانيتها، وتبرئة الذمة بين يدي الله ورسوله.

عبد المجيد باباابريك

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *