اللغة العربية لغة القرآن الكريم: مباني ومعاني 28


1 – شكل الكتابة: “المستوى الإملائي” أمثلة ونماذج-تابع

تحدثنا في الحلقة الماضية (27) المحجة عدد 472 عن شكل كتابة البسملة في بداية الكلام أو وسطه، وحاولنا تعليل كتابتها بهذا الشكل أو ذلك مع التنصيص على وظيفتها الدلالية في كل حالة، ثم بدأنا عرض أمثلة لشكلي كتابة البنوة “بن”، مع الإشارة إلى علة كل مثال من أمثلة أنواعها الثمانية في جدول، وواعدنا بمحاولة تحديد وظيفة كل مثال ما أمكن بشكل نوع كتابته وعلتها مقرونة بعبارة ابن قتيبة، وذلك ما نشرحه فيما يلي:

1 – أ- ب- ج: هذا محمد بن عبد الله.

 و7 – أ: زيد بن القاضي ومحمد بن الأمير.

هكذا يتضح أن “بن” كتبت بدون همزة الوصل في المثالين، والتعليل المقدم لهذين النوعين من الكتابة هو أن “بن” متصل بالاسم، وهو صفة في المثال (1) ومنسوب إلى لقب يغلب على اسم أبيه في المثال (7). وعليه يمكن القول بأن علة كتابة هذين المثالين بدون همزة الوصل واحدة، وتفيد علاقة الابن بالأب مباشرة بدليل إلحاق ما يغلب على تسمية الأب من لقب أو صناعة مشهورة بحكم اسمه الخاص في نسبة البنوة إليه، وفي الحالتين المشار إليهما برقم (1) و(7) يقول ابن قتيبة:  “و”ابن” إذا كان متصلا بالاسم وهو صفة كَتَبْتَهُ بغير ألف، تَقُول: “هذا محمد بن عبد الله”… وإن نَسَبْتَهُ إلى لقب قد غلب على اسم أبيه أو صناعة مشهورة قد عرف بها كقولك: “زيد بن القاضي” و”محمد بن الأمير” لم تلحق الألف؛ لأن ذلك يقوم مقام اسم الأب”. (أدب الكاتب لابن قتيبة، ص 184).

والعبارة التي تتضمن القيد المميز لكتابة كلمة البنوة بدون ألف الوصل هي قول ابن قتيبة: “إذا كان الكلام متصلا بالاسم وهو صفة”. فالقيد الموجب لكتابة هذه الكلمة بهذا الشكل مركب من حالتين أولاهما اتصال هذه الكلمة بالاسم، وثانيهما تعليل هذا الاتصال بالوصفية، وللصفة وظيفة خاصة في التمييز بين رتب الاسم في مجال واحد، وفي هذا يقول ابن يعيش: “والغرض بالنعت تخصيص نكرة، أو إزالة اشتراك عارض في معرفة”. فمثال صفة النكرة قولك: (هذا رجل عالم، ورأيت رجلا عالما… فرجلٌ عالمٌ أخص من رجل). ومثال صفة المعرفة قولك: (جاءني زيد العاقل، ورأيت زيدا العاقل… فالصفة ههنا [العاقل] فَصَلَتْه من زيد آخر ليس بعاقل، أو أزالت عنه هذه الشركة العارضة).. إذ الأصل في الأعلام (أي الأسماء التي توضع لأسماء خاصة) أن يكون كل اسم بإزاء مسمى [خاص به].. (إلا أنه ربما ازدحمت عليه المسميات بكثرتها فيحصل ثم اشتراك عارض) [بين بعض الأسماء] فأتى بصفة لإزالة تلك الشركة، ونفى اللبس، (فصفة المعرفة للتوضيح والبيان) (وصفة النكرة للتخصيص، وهو إخراج الاسم من نوع إلى نوع أخص منه) وقوله: [أي الزمخشري الذي يشرح بن يعيش كلامه] والذي تساق له الصفة: “هو التفرقة بين المشتركين في الاسم” يريد أن الصفة تزيل الاشتراك الجنسي نحو رجل وفرس، والاشتراك العارض في المعارف، وقيل: (إنها للتخصيص في النكرات) (وللتوضيح في المعارف على ما ذكرناه). ولما كان الغرض بالنعت ما ذكرناه من تخصيص النكرة، وإزالة الاشتراك العارض في المعرفة وجب أن يجعل للمنعوت حل تعرى منها مشاركة في الاسم ليتميز به، وذلك يكون على وجوه إما بخلقة نحو طويل وقصير، وأبيض وأسود ونحوها من الصفات الخلقية، وإما بفعل اشتهر به وصار لازما له، وذلك على ضربين: آليٌّ وهو ما كان علاجا نحو: قائم وقاعد، وضارب… ونفسانيٌّ نحو: عاقل وأحمق وسقيم… وإما بحرفة نحو: بزار وعطار وكاتب… (وإما بنسب إلى بلد أو أب نحو: قرشي) وعربي وعجمي ونحو ذلك من الأسماء الخاصة التي لا توجد فيها مشاركة…” (شرح المفصل 3/47).

تعمدنا كتابة هذا النص رغم طوله من جهة، وتضمنه لصفتي النكرة والمعرفة من جهة ثانية، وذلك لتوضيح وظيفة النعت بصفة عامة، ثم التركيز على وصف المعرفة الذي يطابق المثال الذي نحن بصدد مناقشته “هذا محمد بن عبد الله”. فكلمة “بن عبد الله” صفة لـ”محمد” وهو معرفة علم على شخص معين، ولذا يعرفونه بقولهم: “إنه اللفظ الذي يدل على تعيين مسماه تعينا مطلقا” (النحو الوافي لعباس حسن، 1/258).

وهذه الوظيفة الدلالية التي يختص بها الاسم العلم قد يشوبها نوع من الخلل؛ لأن نفس الاسم قد يحتمل الدلالة على أكثر من اسم واحد معين، وهذا ما نص عليه بن يعيش بقوله: “إلا أنه ربما ازدحمت المسميات بكثرتها فيحصل ثم اشتراك عارض)، ولأجل إزالة هذا الاشتراك المحتمل يؤتى بالصفة أي النعت بعد الاسم لتخصيصه، وهذا ما توضحه العبارات التي تحمل رقم (2) مما وضعناه بين قوسين في النص السابق التي منها: “جاءني زيد العاقل.. فالصفة ههنا فصلته من زيد آخر ” لأن اسم زيد لا يسمى به شخص واحد في المجتمع وكذلك محمد وعلي وعبد الرحمن…).

ولذا يؤتى بالصفة لتعيين شخص معين من بين هذه الأنواع، وهكذا كل العبارات التي تحمل رقم (2) في النص الذي أوردناه لابن يعيش، ومنها ما يتطابق لفظا ومعنى مع المثال الذي نحن بصدد مناقشته “محمد بن عبد الله” وهو قوله: “وإما ينسب إلى بلد أو أب نحو قرشي) و”بن عبد الله” منسوب إلى الأب فعلا لا مجرد نسبة في درجة من درجات النسبة كما هو الحال في غير المثالين (1) و(7) ذلك أن المثال رقم (7). ملحق برقم (1)، ولذا قال ابن قتيبة بخصوصه: “وإن نسبته إلى لقب قد غلب على اسم أبيه، أو صناعة مشهورة قد عرف بها كقولك: “زيد بن القاضي” و”محمد بن الأمير” لم تلحق الألف؛ لأن ذلك يقوم مقام اسم الأب”.

وبعد هذا يمكن القول إن حذف همزة الوصل من اسم البنوة قيمة خلافية تميز بين النسب المباشر الأصلي وبين رتبة من رتب النسب التي لا تمثل نفس العلاقة الموجودة بين الأب والابن. وقد يكون لهذا الاعتبار أثره القوي في تحليل النصوص الشرعية أو القانونية المتعلقة بحق من حقوق البنوة!.

د. الحسين كنوان

 

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *