اللغة العربية لغة القرآن الكريم: مباني و معاني(27)


1 – شكل الكتابة: “المستوى الإملائي” أمثلة ونماذج

بدأنا في الحلقة الماضية الحديث عن كيفية كتابة ثلاثة أنواع من الكلمات: أولاها البسملة، وثانيها البنوة، وثالثها عبارة عن مقابلة بين التذكير والتأنيث في عدد من الكلمات التي لا يفرق بينها في الحالتين إلا بإضافة حرف الهاء في آخرها. وقد بدأنا بشكل كتابة البسملة التي أثبتنا بخصوصها نصا لابن جني يتضمن عبارات تنص على أحوال كتابة همزة بهذا الشكل أو ذاك لأداء وظيفة معينة، وأشرنا بعد هذا إلى عدد الألفات المتنوعة الوظائف التي من بينها همزة الوصل، وأشرنا إلى أن ابن جني اقتصر على همزتي الوصل والقطع، وحدد وظيفة كل منهما الدلالية بقوله: “فهمزة القطع هي التي ينقطع –باللفظ بها- ما قبلها عما بعدها”، “وهمزة الوصل هي التي تثبت في الابتداء وتحذف في الوصل؛ لأنها إنما جيء بها توصلا إلى النطق بالساكن لمَّا لم يكن الابتداء به، فإذا اتصل ما بعدها بما قبلها حذفت للاستغناء عنها”.
هكذا نلاحظ أن مضمون العبارة أعلاه التي تتحدث عن حالتي كتاب همزة الوصل لا تنطبق على كتابة البسملة “بسم الله- باسم الله” ففي بداية هذا الاسم حذفت الهمزة، في حين أنها كتبت في غير ذلك؛ وهذا عكس القاعدة العامة التي تقول بكتابتها في البداية وحذفها في غير ذلك، فكيف يمكن تعليل هذه الحالة، وهل لها من وظيفة إضافية؟
يمكن تعليل هذه المسألة بعلتين هما:
أ – ما أورده ابن قتيبة حيث قال: “تكتب “بسم الله” -إذا افتتحت بها كتابا، أو ابتدأت بها كلاما- بغير ألف؛ لأنها كثرت في هذه الحال على الألسنة في كل كتاب يكتب، وعند الفزع والجزع، وعند الخير يَرِدُ، والطعام [237] يؤكل، فحذفت الألف استخفافا. فإذا توسطت كلاماً أُثبتت فيه الألف” (أدب الكاتب، 184).
هذا التعليل الذي قدمه ابن قتيبة لحالتي كتابة البسملة لا ينطبق في ظاهره على الوصف الذي من أجله يؤتى بهمزة الوصل كما ذكره ابن جني في النص السابق، لكن الواقع عكس الظاهر عندما نقارن بين تعليلي كتابة همزة الوصل بصفة عام الذي هو “التوصل إلى النطق بالساكن”، وبسبب حذفها في بداية البسملة الذي هو الاستخفاف، فالأمر في الحالتين يتعلق بالجانب الجمالي لقواعد اللغة العربية، فكلٌّ من عدم بداية النطق بالساكن، أو حذف حرف من أحرف الكلمة استخفافا كما هو الحال في “بسم الله” يدل على ذلك. فهذه المسألة؛ أي الخفة في النطق يمكن التمثيل لها بعدد من القواعد في اللغة العربية نذكر منها أمثلة فقط مما أورده الثعالبي تحت عنوان: “فصل مجمل في الحذف والاختصار” يقول فيه: “.. ومن ذلك حذف حرف النداء كقولهم: زيد تعال، وعمرو اذهب. أي يا زيد ويا عمرو، وفي القرآن الكريم يوسف أعرض عن هذا ؛ أي يا يوسف…” (فقه اللغة وسر العربية 340).
وقد أثبتنا في النص الذي أوردناه لابن جني في الحلقة الماضية (26) أنواع الكلمات التي تبتدئ بهمزة الوصل وعدد كل نوع منها أو أغلبه، وميزنا كل نوع بالرقم الذي يناسبه فرقم (1) يمثل كل الحالات التي تحذف فيها همزة الوصل قياسا على “بسم الله” من أول الكلام في حين أن رقم (2) يشير إلى كتابتها قياسا على “باسم الله” في سياق الكلام.
ب – رأينا أن الثعالبي خصص فصلا للألفات بصفة عامة وسمى وظيفة كل ألف بالمضاف إليه، وبناء على هذا نرى أن الاسم الذي نحن بصدد مناقشة علة حذف همزة الوصل منه إذا وقع في بداية الكلام “بسم الله” نرى أن هذا الاسم مضاف إلى اسم له خصوصيته “الله”، ولذا يكتسب منه ميزة خاصة كما هو معروف في العلاقة الرابطة بين المضاف والمضاف إليه. ولعل هذا ما يميز حالة الاسم أثناء الابتداء به عن بقية الأسماء، وهو في الواقع كذلك!
ثانيا: أي النوع الثاني من الكلمتين اللتين تكتب فيهما همزة الوصل تارة وتحذف أخرى لتفيد بكل شكل من الكتابة معنى خاصا هي “البنوة”؛ ولذا نعرض أمثلة مفصلة لهذين النوعين من الكتابة محاولين ضبط دلالته التي تميزه وفق القاعدة التي تضبطه فيما يلي:
عدة التي تضبطه فيما يلي:
المثال
كلمة البُنُوَّة في سياقها الخاص
شكل كتابتها والقاعدة التي تميزه
1
أ- هذا محمد بن عبد الله
ب- رأيت محمداً بن عبد الله
ج- مررت بمحمد بن عبد الله
بن متصل بالاسم وهو صفة
“يكتب بدون ألف”
2
أ- هذا زيدٌ ابنك
ب- هذا زيدٌ ابن عمك
ج- هذا زيدٌ ابن أخيك
بن مضاف إلى كاف الخطاب
“يكتب بالألف”
3
أ- أظن محمدا ابن عبد الله
ب- كان زيد ابن عمرو
ج- قال تعالى: {وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله}
بن خبر [في الأصل قبل دخول النواسخ على الجملة]
“يكتب بالألف”
4
أ- قال عبد الله وزيدٌ ابنا محمد كذا وكذا
ب- أظُنُّ عبد الله وزيداً ابني محمد
بن مثنى
“يكتب بالألف”
5
أ- جاءني ابن أخي عبد الله
بن لم يذكر اسم قبله “يكتب بالألف”
6
أ- هذا محمد ابن أخي عبد الله
بن منسوب إلى غير أبيه
“يكتب بالألف”
7
أ- زيد بن القاضي ومحمد بن الأمير
بن منسوب إلى لقب يغلب على أبيه “يكتب بدون ألف”
8
أ- هذه هند ابنة فلان
ب- هذه هند بنت فلان
قال تعالى: {ومريم ابنة عمران} (التحريم: 12)
الأمر يتعلق بالتاء التي تكتب مربوطة عندما تكتب ألف ابنة ومبسوطة عند حذفها.
هذه ثمانية أحوال لكتابة كلمة “البنوة”: [بن، ابن] لكل حالة منها تعليلها الخاص، وهي في مجملها من حيث شكل كتابتها نوعان: نوع يكتب بدون ألف الوصل، وهما نوعان فقط، هما رقم(1) ورقم(7). ونوع تثبت فيه ألف الوصل، وهو الستة أنواع الباقية هي أرقام (2) (3) (4) (5) (6) (8). وقد سجل ابن قتيبة تعليلا خاصا بكل مثال مما أورده في كتاب تقويم اليد، باب ألف الوصل في الأسماء في كتابه “أدب الكاتب”. ومنه جردنا الأمثلة المرقمة أعلاه ولذا سنحاول تحديد وظيفة كل مثال بشكل نوع كتابته وعلتها، مقرونة بعبارة ابن قتيبة كما هي في النص المذكور، ثم نناقش في النهاية الفرق بين وظيفتي كتابة ألف الوصل في الكلمة أو حذفها باعتبارها قيمة خلافية، وذلك في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى.

د. الحسين كنوان

 

 

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *