افتتاحية – واقع الأمة في ضوء الموازين القرآنية


الأمة المسلمة هي الأمة الحاملة لميراث النبوة اعتقادا، العاملة به تفكيرا وتعبيرا وتدبيرا، المبلغة له عن علم وحكمة وإقناع أو هكذا ينبغي أن تكون، والأمة المسلمة ليست أمة معزولة عن الواقع، بل تتحرك حركة واقعية فعلا وانفعالا، دفعا ومدافعة، فتنال نعم التمكين، كما تكتوي بنقم الخذلان.

وقد كثرت في الأمة اليوم الآراء في تفسير ازدهار المسلمين وانتشارهم، وانحدارهم أو انحسارهم التي ألقت بحُمَمِها السوداء على إيمان المسلمين وحركتهم في الواقع، وغلب على الناس أمام طوفان التفسيرات المادية التيه عن ذاتها، والعمى عن موازين النظرات المنهجية التي جاء بها القرآن الكريم لتصحيح حركة الأمة وتوجيه بوصلتها نحو الفاعلية والإيجابية والخيرية.
فقد غلب على الأمة اليوم مجموعة من المظاهر السلبية في فهم الواقع والتصرف فيه، منها:
< الاعتقاد بأن سبل الازدهار والرقي تكمن في التمسك بالأسباب المادية: الاقتصادية والعلمية والتدبيرية…
< أن أسباب التقدم والتحرر هي ما ورد علينا من أوروبا في فترات الاستعمار العسكري الظالم أو الاستعمار الثقافي الناعم.
< أن ما تعانيه من أزمات الضعف والتخلف وبُعد الفجوة بينها وبين الغرب لا حل له إلا بالعمل بما تقترحه مؤسسات النقد الدولي وما تفرضه الدول الكبرى على الصغرى من حلول مادية.
< تحليل أوضاعها وفق المعطيات الواقعية في السياسة الدولية وتقاطباتها وأحلافها، ونسج الحلول بالانخراط في هذا الحلف أو ذاك.
< كما غلب على المسلمين تفسيران منحرفان: تفسير غيبي يرد كل ما يقع للمسلمين للقضاء والقدر؛ فأفرز هذا عقيدة التواكل والكسل، وتفسير مادي ألغى كل فعل لله جل وعلا وكل مشيئة وتدبير إلهي، ورد أصحابه الأفعال إلى الطبيعة أو الإنسان وحدهما، وصاروا يلقون باللوم على الطبيعة وعلى الدولة وعلى الآخرين، تبريرا للعجز ودفعا للمسؤولية، وكلا التفسيرين لا يغرس إلا تصورات وتصرفات الجبر والإرجاء التي تصنع الشخصية التواكلية والسلبية وتبث روح الهزيمة النفسية والحضارية.
وغابت عن كثير من المسلمين -أو كادت- النظرة القرآنية القائمة على الموازين الربانية والسنن الإلهية في وجود الكون والإنسان والحياة والمصير، وحركة ذلك دفعا ومدافعة، تسخيرا وتعميرا وتدميرا. ولعل مما يحسن التذكير به في زمن الفتن المدلهمة والفتن المظلمة ما يلي:
– اليقين في القدرة والنصرة:
ومفاده أن الأمة محتاجة في ظروفها الحالكة اليوم إلى تثبيت الإيمان واليقين بأن الله تعالى هو القادر والناصر وهو على كل شيء قدير (المائدة: 120) بإطلاق، وهو الناصر ولا ناصر غيره: إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الاَشْهَادُ (غافر: 51) إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُومِنُون (آل عمران: 160) وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم (آل عمران :126).
وثمرة هذا اليقين في النصرة والقدرة هو اكتساب الأمة المسلمة لمنهاج في النظر إلى الواقع والتاريخ نظرة إيمانية تصغر أمامها كل قوة إلا قوة الله العزيز الجبار، فالله أقوى من كل قوي وأكبر من كل كبير، ولا يقع في ملكه شيء إلا بعلمه وإذنه وحكمته.
ومن مستلزمات هذا اليقين القاعدة الموالية:
– العمل والإتقان وتفويض النتائج لله تعالى مدبر الأكوان:
فيقين القدرة والنصرة لا يستلزم التواكل وتفويض الأمور لله تعالى دون القيام بما أوكل للعباد القيام به من العمل بشروطه من العلم والإحسان والحكمة، ومن اتخاذ كل الأسباب واستفراغ الوسع في القيام بما أوجب الله  على الناس أفرادا وجماعات القيام به، فالأمة مكلفة وجوبا كفائيا وعينيا بإقامة الواجبات وتحمل المسؤوليات وأداء الأمانات والحقوق، وعلى رأسها حقوق الله تعالى وحقوق العباد.
فأجَلُّ حقوق الله تعالى على العباد ما يلي:
– أن يعبدوه وفق ما شرع.
– أن يقيموا كل ما يخدم هذا المقصد تربية وتعليما وتبليغا، عدة وعتادا.
وأما حقوق العباد على العباد كما فرضها الله تعالى فأعلاها:
– العدل ورفع الظلم والوفاء بالحقوق المادية والمعنوية والحقوق الدنيوية والأخروية.
– الإحسان إلى ذوي الحاجات وتمكينهم مما فرض لهم في أموال الأغنياء من واجبات
– النهوض بكل ما يحقق الكرامة لعموم الأمة والناس جميعا تربية وتعليما وصحة وغذاء ومأوى، ونصرة وأخوة، تكافلا وتضامنا وتراحما…
فيوم تقوم الأمة بواجباتها على أحسن الوجوه وتؤدي ما فرض عليها من حقوق لله تعالى ولعباده أداء تاما، كما وكيفا، إحسانا وإتقانا، إخلاصا وصوابا تكون قد أدت الذي عليها، وآنذاك تفوض أمرها إلى الله تعالى مع اليقين بقاعدة: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (الكهف:30).
ولذلك فمن أجلِّ الموازين القرآنية في النظر إلى الواقع اتخاذ الأسباب بشروطها ثم تفويض الأمر لمالك الملك.
وختاما فإن الموازين القرآنية هي الحاكمة في حركة الواقع والتاريخ، وهي موازين ربانية تمثل سنن الله تعالى في عالم الأكوان وعالم الإنسان، وهي موازين أنزلت لهداية الناس للعمل بها والاسترشاد بها في ظلمات التيه. والمسلم النبيه من جعل هذه الموازين بصائر وعمل بصبر وإخلاص وصواب: وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (السجدة:24)

 

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *