نماذجُ من الأنبياء والمرسلين وصورٌ من أخلاقهم في الدعوة إلى الله تعالى 3/3


يقول الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه العزيز:﴿ وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (السجدة: 24).

نقف في هذه الآية على عنصرين في الدعوة:
العنصر الأول: الصبر ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا . ﴾
الصبر هو زاد الطريق في هذه الدعوة، إنه طريق حافل بالعقبات والأشواك، مفروش بالدماء والأشلاء. قال الشاعر:
الصبر كالصبر مر في تذوقه
لكن عواقبه أحلى من العسل
فكما أن الصبر هو حبس النفس على ما تكره، فالصبر كذالك يعين عليه الأمل، وكلما فقد الأمل كان حصول الصبر متعذرا. والصبر شرط أكيد لتنال الإمامة في الدين.
قال الله سبحانه وتعالى: فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلا.إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا.وَنَرَاهُ قَرِيبًا (المعارج: 5-6-7).
العنصر الثاني: اليقين وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ .
على الداعية أن يوقن بأن هذا الدين سينتصر.
رحم الله الداعية المجدد الأستاذ حسن البنا الذي قال: “كونوا بها، فان لم تكونوا بها، فلن تكونوا بغيرها، وتكون بغيركم”.
يقول الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه العزيز: قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى.فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِّثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لّا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنتَ مَكَانًا سُوًى.قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَن يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى (طه: 57-58-59).
نقف في هذه الآية على عنصرين في الدعوة:
العنصر الأول: الفرصة
الدعوة إلى الله هي فرصة بالإضافة إلى كونها وظيفة مستمرة.
فهذا موسى يتحدى فرعون ويختار الوقت الاجتماعي المناسب ليقدم الدليل على دعوته على قاعدة “إن كنت مدعيا فالدليل، وإن كنت ناقلا فالصحة” فاختار أن يجمع الناس يوم الزينة أي يوم عيدهم؛ لأنه لا شغل فيه، ووقت الضحى، لأنه وقت غير باكر ولا متأخر.
العنصر الثاني: حضور الداعية.
حضور الداعية بشخصه وفكره واهتمامه وفعله ضروري جدا.
فالأصل أن يكون الرسول من قومه وليس وافدا عليهم بدليل النص القرآني، غير أن هذا الانتماء القبلي ليس شرطا حتى لا تكرس القبلية والجهوية.
وتبرز ضرورة حضور الداعية من خلال النماذج التالية:
نموذج النبي شعيب :
اقرأ معي قول الله تعالى في سورة الشعراء: كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلا تَتَّقُونَ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (الشعراء: 106-107).
ومثل ذلك قوله تعالى: كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ. إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلا تَتَّقُون (الشعراء: 123-124).
وقوله سبحانه: كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ.إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلا تَتَّقُونَ (الشعراء: 141-142).
وقوله تعالى: كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ. إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلا تَتَّقُونَ (الشعراء: 160-161).
ولم تخالف سورة الشعراء هذا التعبير إلا في الحديث عن شعيب ، فقال تعالى: كَذَّبَ أَصْحَابُ لْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلا تَتَّقُونَ (الشعراء: 176-177).
فغاير القرآن الأسلوب هنا، وقال: إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلا تَتَّقُونَ ، ولم يقل: إذ قال لهم أخوهم شعيب.
والسر في ذلك أن شعيبا لم يكن من أصحاب الأيكة، بل كان غريبا عنهم، وإنما كان من مدين، ولهذا قال في سورة الأعراف، وفي سورة هود: وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبا .
نموذج النبي موسى :
حضور الداعية الفعلي وليس المعنوي ضروري لتذكير المدعوين بما بينه وبينهم من عهد، وتتجلى هذه الضرورة في قصة موسى الذي دعاه الله إلى ميثاقه فاستغل السامري غياب موسى وفتن القوم، فخاطب الله سبحانه وتعالى موسى مؤنبا إياه: وَمَا أَعْجَلَكَ عَن قَوْمِكَ يَا مُوسَىقَالَ هُمْ أُولاء عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ (طه: 81-82) أي لما تعجلت وابتعدت عن قومك.
فموسى تجاذبه الجانب الروحي التعبدي الشخصي، والجانب الدعوي والحضور في القوم، فغلب الأول على الثاني. فمن حيث المقصد كان الاستعجال جللا، أما من حيث المنهج الدعوى ففيه خلل. والأصل هو التوازن في المسألتين لأن كلاهما واجب.
يقول ابن تيمية: “من لا يستطيع أن يقف ساعة من الليل بين يدي الله، لا يستطيع أن يقف ساعة من النهار بين يدي الطاغوت”.
نموذج النبي نوح :
قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلا وَنَهَارًا فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلاَّ فِرَارًا وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا مَّا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (نوح: 5-14).
كان قومه يحبونه، أما الفرار فكان زيادة على حبهم له. فلم تكن الزيادة على الأصل، بل زيادة أصل.
ونستخلص من تجربة نوح استغلال كل الوقت، وبكل الطرق والوسائل،علاوة على الترغيب والترهيب.
خاتمة:
هذه بعض معالم ومقتضيات الدعوة بثها الله جل في علاه في كتابه المبين ليستكشفها الداعية ويتحلى بها، فكل مسلم داعية، مأمور بالدعوة إلى دينه بصورة ما، وبطريقة ما، كما قال الله تعالى: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (يوسف: 108).
وصورة الدعوة تختلف من شخص لآخر، حسب الاستطاعة والإمكان.
يقول الداعية الأستاذ يوسف القرضاوي: كل ما في الأمر أن صورة الدعوة تختلف من شخص لآخر، حسب الاستطاعة والإمكان. فهناك من يدعو إلى الله بتأليف كتاب أو كتب. وهناك من يدعو إلى الله بإلقاء محاضرة في جامعة أو في مركز ثقافي. وهناك من يدعو إلى الله بإلقاء خطبة جمعة في مسجد أو إلقاء درس ديني فيه. وهناك من يدعو بالكلمة الطيبة، والصحبة الجميلة، والأسوة الحسنة. وهناك من يدعو بالإنفاق على الدعاة، أو على نشر إنتاجهم، أو على تأسيس مركز للدعوة، على نحو ما قال : “من جهز غازيا في سبيل الله فقد غزا” ونحن نقيس عليه فنقول: من جهز داعيا إلى الله فقد دعا.

علي رابحي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *