من أوراق شاهدة – حين تأخر المسلمون فتأخر غيرهم


قبل سنتين من كتابة هذا المقال خرجت الشقراوات السويديات إلى الشارع العام في مسيرة احتجاجية يعلنن من خلالها عن رغبتهن الملحة في الزواج بعد أن هدتهن العنوسة، وذلك في لوحة جلية تشي بتداعيات سلعنة المرأة الغربية القديمة الجديدة، وتفضح تقدمها المغشوش كنموذج للاحتداء.

وقبل قرون من هذا التاريخ المبخس بإيديولوجياته للمرأة ستصوب بوصلة الإنسانية في الاتجاه الحضاري الإنساني الصحيح الذي يزن قيمة العبيد على أساس الرشد الأخلاقي والصبيب الإنتاجي البناء للحضارات والأمم، وكان لبعثة رسول الله ونزول كتاب الله العزيز وتشكل خارطة طريق شاملة للمنهج النبوي سنة وسيرة الأثر الحاسم في انتقال البشرية من حياة العبث والاستكبار والفساد في الأرض إلى حياة الالتزام بمعالم الطريق الرباني الذي لا يـزيغ عنه إلا هـالك.
ولم يكن هذا المنهج الإسلامي النموذجي ليشق غياهب العماء البشري ويخرج العباد من عبادة المخلوقات إلى عبادة رب المخلوقات لولا النظرة الشمولية التكريمية التي جاء بها الإسلام لكلا الجنسين، نظرة أساسها التفاضل بالإيمان والعمل الصالح، فترتب عن هذه المنظومة الراشدة السوية إنجاب رحم المرأة المسلمة المشبعة بهذه التعاليم لرجال ونساء أفذاذ أغنوا الحضارة الإنسانية بأخلاقهم وعلومهم وآدابهم وحنكتهم العسكرية والسياسية والاقتصادية الخ، وبكل تأكيد كانت المرأة المسلمة في صلب هذه الطفرة من الحيوانية العابثة بجسدها وهويتها الرسالية، إلى التكريم لها في كل مراحل حياتها المعبدة والموجهة لإعمار الأرض وصون أبناء الأمة تربية وتعليما وتوجيها لقيادة الإنسانية إلى بر الأمان.
ولقد مرت على الإنسانية في شقها الغربي هبَّات وارتجاجات حسبت أنها ستجني من ورائها العتق من التخلف، وكان الدين على مرمى حجر، وكان للثورات التي سعَّر الفلاسفة والمفكرون الغربيون نارها ودعوا باسمها إلى التخلص من الدين وإقامة دولة المواطنة التي ترفض الغيب وكهانه، تأثيرا بالغا في تشكيل ثقافة مادية مبنية على عبادة الاستهلاك وتقديس الأنانيات.
ومن انحراف ديني إلى انحراف لا ديني ظل العمق الغربي يمور بعوامل السقوط، وتتجلى في سطحه معالم الضنك، تلك التي تمخضت عنها علاقات مرضية، مبهرة المبنى هشة المعنى، وكانت المرأة حلقتها الأضعف وحطبها الأثير.
فمن جهة تم تلميعها وتجميلها لتكون واجهة الإثارة الجالبة للصفقات والأرباح المالية الخيالية لـ’مافيات’ الاقتصاد، ومن جهة أخرى تم حرمانها من التمتع بنعمة الأمومة والاستقرار الأسري، إذ تشظت عن حضارة المال والعبث مؤسساتٌ شاذة باسم الحب الحر والرباط الحر، وهي في حقيقتها مقالب وفخاخ قاتلة لوظيفة المرأة وطبيعتها الأنثوية.
وفي هذا السياق تم السماح في الغرب بتسويق حبات الإجهاض لتمكين المراهقات اللواتي لا تتجاوز أعمارهن 14 سنة من علاقات جنسية آمنة كما يرون، أي لا يترتب عنها حمل تعتبر الجمعيات النسائية المدافعة عن هذا الانحراف أنه يتعب الفتيات الصغيرات السن.
وقد صرحت وزيرة فرنسية مكلفة بشؤون التعليم المدرسي أن من شأن توزيع حبوب الإجهاض على التلميذات تجنيبهن الإحساس بالإحباط بسبب حملهن المبكر.
وإذا أضيف إلى التساهل السياسي باسم حقوق المرأة كما أوردنا المتبلات الإعلامية الداعية إلى هتك كل أسوار الحياء من خلال إنتاجات سينمائية إباحية، فإن وضعية المرأة تردت من شاهق التقدم المزعوم إلى مستنقع الضياع البعيد..
وبالتالي لا غرابة إن استشرت العنوسة فخرجت النساء إلى الشارع للمطالبة بأزواج، ولا عجب إن تفاقمت ظاهرة المرأة الوحيدة. تلك المرأة التي تربي ثمرة علاقاتها المحرمة وحيدة إن ظفرت أصلا بعلاقة، فالجنوح إلى العلاقات المثلية واكتفاء الرجال بالرجال حرمها حتى من العلاقات العابرة مع رجال مغامرين يرفضون جملة فكرة إقامة أسرة.
وبالتالي هل هناك عنف وعدوانية أكبر من هذه في حق المرأة..؟
وقد لفتني مؤخرا أثناء إحدى قراءاتي خبر تصنيع شركة أمريكية للأسلحة، لرصاصة فيروسية تحمي النساء الوحيدات من مداهمة غير منتظرة لهن في الفضاء العام أو ببيوتهن.. ومن خصائص هذه القنبلة تدمير أحشاء المهاجم.وبالنتيجة شل قدراته العدوانية.
هي إذن تجليات منظومات إنسانية فاشلة بلا شك وإن أبهرت بقشورها البراقة المثيرة..
وإذا كان الوضع الحقيقي للمرأة الغربية وجذور العنف تجاهها وتداعياته ينذران بسقوط المجتمعات الغربية عاجلا أو آجلا فإن المجتمعات الإسلامية ليست بمنأى عن هذه التداعيات. وقد جاء في إحصائيات المندوبية السامية للتخطيط في آخر إحصاء للسكان لسنة 2014 أن عدد النساء اللواتي يسكنن لوحدهن في تزايد ملفت، وتلك نحلة المغلوب في اتباع الغالب، ذلك الغالب الذي قال عن تفتت مجتمعاته مفكر أمريكي من أصل ياباني يدعى فرانسيس فوكوياما “إنه من أكثر الشكاوى من طابع الحياة الأمريكية المعاصرة شيوعا هي بالضبط الشكوى من افتقارها إلى روح الجماعة، ويبدأ انهيار الحياة الجماعية في الولايات المتحدة بالعائلة التي يعرف الأمريكيون جيدا كيف انقسمت على نفسها وتفتت على مدى الجيلين الماضيين”. ولا عجب فحين تنكب المسلمون لبوصلة الطريق وأضاعوا مصباح الرحمة للعالمين غمس العالم في الظلام المكين.

ذة. فوزية حجبـي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *