لآلئ وأصداف – من آسيا جبار إلى نادية سبخي (2)


حرصت آسيا جبار على الاطلاع على التراث العربي لصوغ روايتها، وإعادة قراءة الأحداث التي روتها كتب التاريخ، ولاسيما تاريخ الطبري، بطريقتها الخاصة، حيث يتدخل العنصر الفني ـــ التخييلي الذي لا بد منه في العمل الروائي. وهي تعود إلى قصة سجاح ومسيلمة، لتأثيث العمل الذي تريد. وإذا كانت الرواية التاريخية تجعل سجاح مجرد كائن أنثوي مفتون بمسيلمة، فإن الكاتبة حرصت على أن تعكس الآية، وتجعل شخصية سجاح هي الشخصية القوية المؤثرة في الأحداث. ولما كانت عربية الكاتبة لا تسعفها في مباشرة المصادرة العربية، فإنها كانت تستعين بالترجمات الأوربية لتلك المصادر حينا، وبمن يتقن العربية ليساعدها على ملامسة النص الأصلي حينا آخر، ومن هؤلاء الشاعر المغربي نور الدين الأنصاري الذي سبقت الإشارة إليه. وسبب ذلك هو شغفها بالعودة إلى اللغة الأم. وكما تقول شهيرة، فقد صرّحت آسيا جبار بذلك في مناسبات عدّة: “لقد غصت في تفكيك تلك النصوص كلمة كلمة، فصلا بعد فصل[…] كنت بحاجة إلى سماع لغتي الأم في إيقاعها وتحفظها وفي ثغراتها أيضا”. وهذا الحرص على سماع اللغة الأم، العربية، يذكرنا بمالك حداد الذي كان يستنكر أن ينادي أمه: Ma mére، ويفضل أن يناديها بالعامية قائلا: “يمّا”، كما يصرح بذلك في روايته: “سأهبك غزالة”.

هذا الشغف بالأصل سيظهر بشكل جلي عند الكاتبة الجزائرية المعاصرة نادية سبخي.
نادية سبخي روائية جزائرية، تكتب الفرنسية، وقد صدرت أخيرا روايتها: (رقصة الياسمين). وكان قد صدر لها من قبل رواية: (الحب الصامت). والروايتان معا تعنيان بالدفاع عن المرأة بالمفهوم الإيجابي، أي انطلاقا من المكانة الحقيقية للمرأة في الإسلام، وبهذا المعنى تصنف نادية سبخي نفسها كاتبة مدافعة عن الإسلام. ومن خلال حوار إذاعي أجرته معها (الإذاعة الثقافية) الجزائرية، بتاريخ 22ديسمبر 2016، تكشف الكاتبة عن عدد من القضايا المتعلقة بالكتابة الروائية عموما، وبفنها الروائي ومواقفها الحضارية بخاصة. هذا وما إن صدر كتابها بالفرنسية حتى أقبلت دار نشر في النمسا على نشره مترجما إلى اللغة الألمانية. وقد تعجبت الكاتبة من شدة إقبال القراء الأوربيين على الرواية، إذ عادة ما يتلقفون الكتب المعادية للإسلام، فأما روايتها فهي دفاع عن الإسلام، وعن المرأة المسلمة، وهذا هو سر تعجبها من شدة إقبال القارئ الغربي على الرواية.
وتعتبر نادية نفسها امتدادا لخط آسيا جبار، من حيث اتخاذ العلاقة بين الرسول وابنته فاطمة الزهراء هي العلاقة النموذجية بين الأب وابنته، وهي علاقة مثالية، لم تستطع الحضارة الغربية الوصول إليها. وترى الكاتبة أن رسالة الرواية ليست اللذة فقط، حتى وإن كانت قطيعة مع الذات من بعض الوجوه.. إنها رسالة حضارية. وتقول إن العلاقة بين بطلتي الرواية، إيزابيل ودانيا، تكشف النقائص الموجودة في المجتمع العربي والإسلامي اليوم، ثم تقول: “ولكن لا تمسوا الإسلام.. لا تمسوا ديني.. هويتي.. نحن في العالم العربي كثيرا ما نتحدث عن التصدير الاقتصادي، لكن لماذا نهمل التصدير الثقافي؟ لماذا لا نسعى إلى تصحيح الصورة السيئة لثقافتنا وديننا؟
والعمل الروائي، باعتباره وسيلة فنية، من أهم وسائل تصحيح الصورة. الرواية.. المسرح… الشعر.. اللوحة.. الخط.. السينما.. كلها وسائل مهمة جدا لتقديم الصورة الصحيحة عن الإسلام، لأنها وسائل غير مباشرة، تستطيع أن تصل بيسر إلى كافة قطاعات المجتمع..”. وعندما سئلت إن كانت روايتها ستغير نظرة الألمان إلى الإسلام أجابت: نعم، بل لقد بدأ ذلك بالفعل من خلال الاحتفاء الكبير الذي لقيته الرواية في الغرب..
هناك أمر أساسي، وهو الغفلة عن ترجمة هذه الأعمال الجادة إلى العربية. ليس هناك، في العالم العربي، خطة حقيقية للترجمة.. إن معظم ما ترجم، من الأعمال الفكرية والأدبية والفنية التي أنجزها مفكرون وأدباء وفنانون عرب باللغات الأجنبية، إلى العربية، كان يحصل -في غالب الأحيان- عن طريق الصدفة. فأعمال مالك بن نبي كان من الممكن أن تتأخر ترجمتها عقودا لولا اللقاء الذي حصل بين شيخنا الدكتور عبد السلام الهراس والدكتور عبد الصبور شاهين في القاهرة، حيث رغب الدكتور عبد السلام الدكتور عبد الصبور في ترجمة مالك بن نبي، وقدر الله أن عبد الصبور كان قد طرد من عمله، بحسب ما روى لي ونحن بالرباط، فوجدها فرصة سانحة للإقبال على أعمال مالك بن نبي.
وكذلك هو الشأن مع الأعمال الشعرية والروائية لمالك حداد. فقد ترجمت الأديبة ملك أبيض ديوانا له عنوانه (الشقاء في خطر)، بمساعدة الشاعر سليمان العيسى، ثم تولت إحدى دور النشر التونسية نشر ترجمة روايته: (سأهبك غزالة)، وأظن أنه لم تترجم حتى الآن كل أعماله كاملة. وقد قلت يوما للروائي الجزائري رشيد ميموني: لماذا لم تترجم رواياتك إلى العربية، وقد ترجمت إلى لغات أوربية كالألمانية؟ فقال لي: تلك ليست مهمتي!
وفي مقال عنوانه: (ناديا سبخي تقود “رقصة الياسمين” في ندوة: النساء والإسلام في النمسا)، نشرته بعض مواقع التواصل الاجتماعي، نقرأ ما يلي: “وتدعو نادية سبخي من خلال روايتها الأخيرة إلى ملامسة الأسئلة الجادة التي ‬واجهت النساء في‬ دولة النبي‬ محمد ،‬ حيث أخرج الإسلام المرأة من ثقافة الوأد إلى اتخاذ القرار وامتلاك الكلمة، ‬نادية سبخي ‬عبر “‬رقصة الياسمين” ‬تعيد ربط الصلة بالنصوص وتفسيراتها الاجتماعية التي ‬رافقتها طوال قرون،‬ ودعت المتحدثة النساء،‬ خاصة الجيل الجديد من الكاتبات والمثقفات، إلى عدم الاستسلام للصمت،‬ وإنما العمل لفرض النفس في‬ فضاء الحياة العامة والارتقاء بالنقاش لملامسة القضايا الجادة للمجتمع،‬ لأن ما‬ يتم اليوم طرحه وتداوله حسبها نقاشا تسطحية لا تخدم المجتمع ولا تقدم أي‬ شيء في‬ مسار تطويره،‬ منبهة على أنّ ‬نضال النساء ضروري، ‬ليس فقط للحفاظ على المكتسبات، ‬لكن للانتباه والحرص على عدم الرجوع إلى الخلف”‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬.
ونحن بانتظار أن تترجم الأعمال الروائية لنادية سبخي وآسيا جبار وغيرهما، من الأعمال الجادة التي تنطلق من منطلقات تهدف إلى خدمة ديننا وحضارتنا. وقد كانت أًسّست في مصر قديما لجنة للترجمة والنشر، فما الذي يمنع أهل المغرب العربي من أن تتضافر جهودهم لإنشاء هيئة أو مؤسسة تتولى ترجمة عيون أدب المغرب العربي المكتوب بالفرنسية إلى لسان القرآن؟

يلتقطها أ.د. الحسن الأمراني

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *