اللغة العربية لغة القرآن الكريم: مباني و معاني(26)


1 – شكل الكتابة: «المستوى الإملائي» أمثلة ونماذج.

استعرضنا في الحلقات الماضية ما يتعلق بالجانب النظري لما اعتبرناه شكل الكتابة في قواعد اللغة العربية؛ أي المستوى الإملائي، وأثبتنا بعض الأمثلة التي توضح الوظيفة الدلالية لهذا الشكل من الكتابة أو ذاك في كلمة واحدة، واستطردنا بخصوص الحديث عن ضرورة تمكن مستعمل اللغة العربية من وظائف أبنيتها، مع اعتماد الخطاب المناسب لتلقين المتعلم المحتمل. وناقشنا بعض معالم التنظير التي تثبت حضور إرادة المنظر، ومن ثمة المعلم في الربط بين الكلمات بِبِنَاء بعضها على بعض حسب ما يقتضيه نظام قواعد اللغة العربية دون نسبة ذلك إلى مكونات اللغة نفسها، وغياب إرادة مستعمل اللغة كما آل إليه الأمر عند أغلب المتأخرين!.
ونظرا لكون الحديث يتعلق بالشواهد التي تثبت فيها علاقة المباني بالمعاني في شكل الكتابة؛ فإننا سنضيف في هذه الحلقة (26) ما يسمح به المقام من الأمثلة التي يوثر شكل كتابتها المختلف بين كلمتين بالإثبات أو الحذف في تحديد نوع دلالتها أو اختلافها عن غيرها مما يشاركها في الشكل نفسه.
سنقتصر فيما تمت الإشارة إليه على ثلاثة أنواع من الكلمات: الأول والثاني منها عبارة عن كلمة مفردة تثبت في كل منها همزة الوصل في سياق آخر، ويكون لكل شكل تعليله الذي جعله يكتب بذلك الشكل دون سواه، ويترتب عن ذلك دلالة خاصة أو وظيفة عامة. وهذان النوعان هما كلمة «البسملة» أولا، وكلمة «البنوة» ثانيا.
أما النوع الثالث فهو عبارة عن مقابلة بين نوعين من الكلمات التي تكتب بشكل واحد في حالتي التذكير والتأنيث، ولا يفصل بين الجنسين إلا إضافة حرف في آخر المفرد المؤنث منها. ونجرد أمثلة كل منها محاولين تبسيطها ما أمكن كما يلي:
أولا: البسملة.
1 – بسم الله الرحمن الرحيم
2 – أبدأ باسم الله، وأختم باسم الله.
3 – قال تعالى: ﴿ اقرأ باسم ربك (العلق: 1).
وقال عز من قائل: فسبح باسم ربك العظيم (الواقعة: 24).
نلاحظ بخصوص كلمة «بسم» أنها كتبت بشكلين أولهما في رقم (1) بدون همزة الوصل. وثانيهما بهمزة الوصل في أمثلة الرقمين (2) و(3) بما في ذلك الآيات القرآنية. وهذا يعني أن كلمة باسم الله تكتب بدون همزة الوصل في بداية الكلام(1)، وتثبت فيها همزة الوصل إذا كتبت في غير البداية(3).
والسؤال الذي يفرض نفسه هو ما هو تعليل كتابتها بالهمزة تارة(1) وحذفها(2) أخرى في الموقعين المذكورين؛ أي: أول الكلام(1) أو وسطه(2). هذا مع العلم أن كتابة همزة الوصل مضبوط بقاعدة عامة تحدد وظيفتها في كل موقع؛ وفي هذا السياق يقول ابن جني في باب ألفات القطع والوصل: “الألفات في أوائل الكَلِمْ على ضربين: همزة قطع، وهمزة وصل، فهمزة القطع هي التي ينقطع باللفظ ما قبلها عما بعدها.
وهمزة الوصل هي تثبت في الابتداء، وتحذف في الوصل(1)؛ لأنها إنما جيء بها توصلا إلى النطق بالساكن لَمَّا لم يكن الابتداء به، فإذا اتصل ما بعدها بما قبلها حذفت للاستغناء عنها.
فكل همزة وقعت في أول كلمة، فهي همزة قطع، إلا ما استثنيه لك، وذلك نحو: أخذ، وأصر، وأكرم، وأحسن، وإخليج…
وإما همزة الوصل، فتدخل في الكَلِم الثلاث: الاسم، والفعل، والحرف، فدخولها في الأسماء في موضعين: اسم غير مصدر، واسم مصدر.
فأما الأسماء غير المصادر، فعشرة، وهي: ابن، وابنة، وامرؤ، وامرأة، واثنان، واثنتان، واسم، واست، وابنم، وايمن الله.
وأما الأسماء المصادر، فهي: كل مصدر ماضيه متجاوز الأربعة [أحرف] وفي أوله هَمزَةٌ نحو: اسْتِخْرَاج، وانطلاقٌ، واصفرارٌ، واحمرارٌ؛ لأن الماضي متجاوز للأربعة، في أوله همزة نحو: اسْتَخْرَجَ، وانطلقَ، واصفرَّ، واحمَرَّ، فهذا دخولها في الاسم.
وأما دخولها في الأفعال، ففي موضعين:
أحدهما: الماضي إذا تجاوزت عدته أربعة أحرف، وفي أوله همزة فهي همزة وصل، وذلك نحو: استخرَجَ، واقتطع، واشترى، واستقصى.
والآخر: مثال الأَمْرِ للمواجهة من كل فِعْلٍ انفتح فيه حرف المضارعة، وسكن ما بعده نحو قولك في الأمر: اضْرِبْ، انطَلِق، اقْتطِعْ؛ لأنك تقول: يَضْرِبُ، ويَقْتطع، ويَنْطلق. فتفتح حرف المضارعة، وتسكن ما بعده. إلا أنهم قد حذفوا في بعض المواضع تخفيفا، فقالوا: خُذْ، ومُرْ، وكُلْ. وقياسه: أوخذ، أومر، أوكل، وقد جاء ذلك في بعض الاستعمال.
وأما دخولها في الحرف، ففي موضع واحد، وهو: لام التعريف، نحو: الغلام، والجارية، فاللام وحدها للتعريف، والألف –قبلها- همزة وصل.
ومتى استغنيت عن همزة الوصل بغيرها، حذفتها. تقول في الاستفهام: أبن زيد عندك؟ حذفت الهمزة الوصل؛ استغناء عنها بهمزة الاستفهام، قال عبيد الله بن قيس الرقيّات:
فقالت: أبن قيس ذا؟ وبعض الشيب يُعْجِبُها
وتقول في الاستفهام: أَشْتَرَيْتَ لزيد ثوبا؟ أستخرجت له مالا؟ فتفتح؛ لأنها همزة الاستفهام، قال ذو الرمة:
أستحدث الرَّكْبُ عن أشياعهم خبرا أم عاود القلب من أطرابه طربُ؟
فإن كانت الهمزة التي مع لام التعريف لم تحذفها مع لام همزة الاستفهام، لئلا يلتبس الخبر بالاستفهام، تقول: ألرجل قال ذاك؟ ألغلام ذهب بك؟ قال الله سبحانه: آلذكرين حرم أم الانثيين ، وقال تعالى: ألله أذن لكم ؟ (اللمع في العربية لابن جني ص: 287- 292).
تعمدنا كتابة هذا النص قبله بكامله -رغم طوله- نظرا لما يتضمنه من العبارات التي تنص على أحوال همزة الوصل في حالة إثباتها، أو حذفها، وما يترتب عن ذلك من وظائفها الدلالية التي من بينها كتابتها في حالتي “باسم الله”. وهي؛ أي همزة الوصل أحد أحرف المعاني الستة عشرة التي ذكرها الثعالبي تحت عنوان: “فصل في الألفات، وكل واحد من بين هذه الألفات تتميز تسمية وظيفته بالاسم المضاف إليه مثل ألف الوصل، وألف القطع، وألف الاستفهام، وألف التثنية، وألف الجمع…الخ، فكل تسمية بهذه الإضافة تحمل دلالة معينة لكلمة أو مفهوم من ذلك: “ألف الوجدان كقوله: أَجْبَنْتُه؛ أي: وَجَدْتُه جَبَاناً، وأكذبته؛ أي: وجدته كذّابا، وقي القرآن الكريم: فإنهم لا يكذبونك ؛ أي: لا يجدونك كذّابا”. (فقه اللغة وسر العربية للثعالبي ص: 344).
وقد اقتصر ابن جني في النص الذي أوردناه له قبله على ألفي الوصل والقطع. وهو ما سنفصل القول فيه في الحلقة المقبلة إن شاء الله.

د.الحسين كنوان

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *