الآيات المكية وقدرتها على إخراج الأجيال النموذجية


مع الإشراقة الأولى لشمس النبوة، وبعثة الرسول لإخراج الناس من الظلمات إلى النور، أقام رسول الله بعدها بمكة نحوا من ثلاث عشرة سنة يدعو الناس إلى الإسلام ويسمعهم القرآن.

وبما أن القرآن الكريم كان روح الدعوة وموجهها، وله القدرة على التأثير في النفوس وإصلاحها، فقد كان كل من يسمع القرآن يتأثر به وينفعل له؛ فإما أن يسلم وإما أن يعرض عنه، ووصل الأمر بالذين خافوا من تأثيره وقوته إلى أن قالوا: وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون (فصلت: 25).
وأما الذين سلموا أنفسهم للقرآن وأسلموا له، فقد حولهم القرآن إلى أناس آخرين، ليسوا هم الذين كانوا قبل أن يسمعوا القرآن ويؤمنوا به؛ فهل أبو بكر الصديق قبل نزول القرآن هو أبو بكر بعد نزول القرآن؟ كلا وألف كلا.
وهل عمر وعثمان وعلي وسائر الصحابة الأوائل رضي الله عنهم جميعا، قبل نزول القرآن هم هم بعد نزول القرآن؟ أبدا.
من أين لجعفر بن أبي طالب -وهو ابن ثماني عشرة سنة- ذلك الجواب الرائع في حواره المشهور مع النجاشي (ملك الحبشة) الذي قال فيه:
أَيُّهَا الْمَلِكُ، كُنَّا قَوْمًا أَهْلَ جَاهِلِيَّةٍ، نَعْبُدُ الْأَصْنَامَ، وَنَأْكُلُ الْمَيْتَةَ، وَنَأْتِي الْفَوَاحِشَ، وَنَقْطَعُ الْأَرْحَامَ، وَنُسِيءُ الْجِوَارَ، وَيَأْكُلُ الْقَوِيُّ مِنَّا الضَّعِيفَ، فَكُنَّا عَلَى ذَلِكَ، حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ إلَيْنَا رَسُولًا مِنَّا، نَعْرِفُ نَسَبَهُ وَصِدْقَهُ وَأَمَانَتَهُ وَعَفَافَهُ، فَدَعَانَا إلَى اللَّهِ لِنُوَحِّدَهُ وَنَعْبُدَهُ، وَنَخْلَعَ مَا كُنَّا نَعْبُدُ نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ الْحِجَارَةِ وَالْأَوْثَانِ، وَأَمَرَنَا بِصِدْقِ الْحَدِيثِ، وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ، وَصِلَةِ الرَّحِمِ، وَحُسْنِ الْجِوَارِ، وَالْكَفِّ عَنْ الْمَحَارِمِ وَالدِّمَاءِ، وَنَهَانَا عَنْ الْفَوَاحِشِ، وَقَوْلِ الزُّورِ، وَأَكْلِ مَالِ الْيَتِيمِ، وَقَذْفِ الْمُحْصَنَاتِ، وَأَمَرَنَا أَنْ نَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ، لَا نُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَأَمَرَنَا بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّيَامِ… فَصَدَّقْنَاهُ وَآمَنَّا بِهِ، وَاتَّبَعْنَاهُ عَلَى مَا جَاءَ بِهِ مِن اللَّهِ، فَعَبَدْنَا اللَّهَ وَحْدَهُ، فَلَمْ نُشْرِكْ بِهِ شَيْئًا، وَحَرَّمْنَا مَا حَرَّمَ عَلَيْنَا، وَأَحْلَلْنَا مَا أَحَلَّ لَنَا، فَعَدَا عَلَيْنَا قَوْمُنَا، فَعَذَّبُونَا، وَفَتَنُونَا عَنْ دِينِنَا، لِيَرُدُّونَا إلَى عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ مِنْ عِبَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَنْ نَسْتَحِلَّ مَا كُنَّا نَسْتَحِلُّ مِنْ الْخَبَائِثِ، فَلَمَّا قَهَرُونَا وَظَلَمُونَا وَضَيَّقُوا عَلَيْنَا، وَحَالُوا بَيْنَنَا وَبَيْنَ دِينِنَا، خَرَجْنَا إلَى بِلَادِكَ، وَاخْتَرْنَاكَ عَلَى مَنْ سِوَاكَ، وَرَغِبْنَا فِي جِوَارِكَ، وَرَجَوْنَا أَنْ لَا نُظْلَمَ عِنْدَكَ أَيُّهَا الْمَلِكُ“. (سيرة ابن هشام، 1/336). فأحاط بحواره هذا بأسس الإسلام وقواعد الدين في كلمات جامعة وشواهد قاطعة.
من أين له هذا إن لم يكتسبه من الآيات المكية التي صنعت منه ومن إخوانه هذا النموذج الرائع؟!
إن هذا الحوار يثبت قدرة الآيات المكية على إخراج الأجيال النموذجية؛ وذلك للأمور التالية:
1 – أن الآيات المكية من أوائل ما نزل من الوحي، فهي إذن الآيات المؤسسة لرسالة الإسلام.
2 – اشتمال الآيات المكية على المرجعية العقائدية الفكرية الأخلاقية التي يحتاجها الإنسان لبناء شخصيته البناء المتوازن السليم.
3 – أنها عملت على تثبيت الأصول الكلية المشتركة في الرسالات السماوية، كالتوحيد وعبادة الله وإقامة العدل والقسط في الأرض، وغيرها من الأصول الثابتة في كل دين؛ ومن شأن هذا التثبيت أن يحصن أبناءنا من الحملات التنصيرية، وفي كل الهجمات العقدية التي تستهدف سلخ أبنائنا عن هويتهم الفطرية إلى هويات مزيفة ملفقة.
4 – أن الآيات المكية تتمتع بخصائصها المنهجية واللغوية الأسلوبية الفريدة، مما يكسبها القدرة على التأثير في النفوس الإنسانية تأثيرا ناجحا في نقلها نقلة نوعية إلى عالم الخير والفعالية الإيجابية لخدمة الإنسانية.
ومن هذه الخصائص المنهجية:
أ – تركيزها على الأصول دون الفروع، وعلى الكليات دون الجزئيات.
ب – تركيزها على النماذج دون الأعيان.
ت – تركيزها على السنن الكونية والتاريخية في حركة التاريخ والاجتماع البشري وأحداثهما.
وأما الخصائص اللغوية الأسلوبية للآيات المكية، فقد تجلت في:
أ – قِصَر آياتها وجملها.
ب – قوة إيقاعاتها وأجراسها.
ت – توظيفها للقصص والأمثال.
5 – أن الآيات المكية ركزت على بناء الفرد الصالح، وأن الآيات المدنية انتقلت بعدها لتأسيس المجتمع الصالح.
والذي نخلص إليه أن الاهتمام بالآيات المكية له الأثر الكبير في إخراج الأجيال النموذجية؛ لأنها محكمات الدين وقواعد التنزيل، وعليها انبنى وتفرع ما جاء بعدها من التشريع؛ ولهذا قال ربنا سبحانه: ألر كتاب احكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير (هود: 1).
بها تربى وأصلح الجيل الراسخ الناسخ الأول، وعليها المعول في إصلاح وتربية كل جيل بعد ذلك.

بلال البراق

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *