افتتاحية – معضلات الأمة المُهْوِلة والواجبات المُهْمَلة


تؤكد الدراسات الاستراتيجية أن المشكلات الاجتماعية نوعا وحجما تابعة طردا وعكسا لنوع وحجم الواجبات، وإنجاز المجتمع لواجباته وإقامتها على أحسن وجوهها يفضي إلى التقليل من المشكلات، لذا فعلى قدر الإخلال بالواجبات تنشأ المعضلات، وعلى قدر هذا القصور في أداء الواجبات تنمو تدريجيا المشكلات، وإن شر المشكلات أن لا يفكر الناس في مشكلاتهم ولا يستفرغون الجهد والوسع في حلها إما جهلا منهم بها، وإما إعراضا عنها.

وإن أمتنا لتعيش اليوم معضلات لَـمَّا تهتدِ بعدُ الاهتداء الصحيح لتبين ما تحتاجه من الحلول، ومن أجَلِّ هذه المعضلات:
معضلة الفصل بين دينها وواقعها، وبين شريعتها وحياتها، فنتج عن ذلك من البلاوى ما عجز خِيرَةُ الأمة عن استيعابه أسبابا وحلولا فتباينت بهم السبل وتفرقت.
معضلة تفشي الأخلاق الفاسدة بسبب تحكيم الشهوات واتباع الشبهات، فشاهت السلوكات وشانت التصرفات.
معضلة الفصل بينها وبين ذاتها التراثية وثوابتها الحضارية، ومعضلة النظر إلى ذاتها بعيون غيرها فتشوه وعيها بذاتها وبواقعها.
معضلة نسخ هويتها ومسخها، ومعضلة الغزو والمحو، فَمُسِخت هويتها، ونُسِخت شريعتها الإسلامية، وغُزِيت ثقافة شعوبها، ومُحِيت كثير من بركات الإيمان وأنواره من قلوبها، ومزق لسانها مع تمزيق كيانها، وزيفت ذاكرتها التاريخية.
معضلة الجفاء بين العلماء والأبناء فلا تجد الرجال الأكفاء الذين يردمون هذه الهوة بحكمة وبصيرة.
معضلة غياب مراكز التشخيص الحضاري والدراسات الاستراتيجية، فكثرت التكهنات بغير علم وازدادت التعثرات.
وإذا كانت المعضلات الآنفة مؤثرة حقا فإن أشدها تأثيرا وأقواها ضررا بالأمة هو تيه الأبناء وتعصبهم لما رفعوه من رايات الأهواء، فتلطخت أيديهم بما حرم الله تعالى هتكه من الأعراض والدماء، فصعب على الأخيار جبر الأضرار وتصفية الأجواء من الأكدار.
وإن تتبع مسار الأمة الحضاري وحركتها التاريخية ليبين أن هذه المعضلات الجسيمة بدأت وتفاقمت حين فرطت الأمة في واجباتها نحو مقوماتها؛ ولا حل لذلك حلا صحيحا صالحا إلا بإقامة الواجبات الآتية:
– التلقي عن الله تعالى ودينه ورسوله تلقيا صحيحا -تفكيرا وتعبيرا وتدبيرا- دون الالتفات إلى ما يعارضه ولا يعاضده، وإلى ما يعانده ولا يسانده، وإلى ما يشاققه ولا يوافقه..
– العودة إلى المنهاج القرآني والنبوي في التربية وصناعة الأجيال الراشدة الشاهدة القائدة، أجيال صحت تصوراتها وصلحت تصرفاتها فكانوا من الراشدين أحوالا وأقوالا وأفعالا ومن المصلحين العظماء للقلوب والشعوب.
– فقه الذات الحضارية فقها صحيحا سليما منطلقا من هدايات الوحي الصحيح وما أبدعته الأمة من الاجتهاد الصحيح الصالح.
– الأخوة في الدين وتحقيق الولاء بين المسلمين بالعمل على بناء أمة الخيرية في التكافل والتكامل والتعاون والتضامن والتناصح والتناصر استجابة لقول الله تعالى: وتعاونوا على البر والتقوى (المائدة: 2).
– إنشاء مراكز البحث العلمي الصحيح والتخطيط الاستراتيجي القويم وتدبير الأزمات بحكمة وكل ما من شأنه رصد المعضلات بدقة ورصد ما يلزم لها من التدبير، واستشراف المستقبل المشرق.
وأخيرا لا يوجد مشكل مهول إلا بعد إهمال الواجب، وإن الوعي بالمشكل هو أول العمل، وإن المبادرة إلى العمل بعلم وحكمة وعلو همة من شأنه أن يسهم في رفع ما ثقل من أسباب الغمة ومظاهرها عن هذه الأمة.
وكما قال جل وعلا حكاية عن نبيه شعيب : إنُ أُرِيدُ إِلَّا الاِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيب (هود: 88).

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *