افتتاحية – الحاجة العاجلة إلى صون مقومات الأمة


مقومات الأمة هي كل الثوابت والأسس التي تكون هويتها وتشكل كيانها وتحقق لها الوجود والتميز الخاص والعام.

وإن تميز الموجودات بعضها عن بعض لا يكون إلا باختلاف مقومات كل واحدة منها عن الأخرى، كما أن سنة الله تعالى في عالم الأحياء هي خلقها متمايزة في أنواعها بسبب اختلاف العناصر المقومة لكل نوع على حدة.

وفي العمران البشري خلق الله تعالى الناس مختلفين أفرادا وشعوبا وقبائل وأمما، ولا يميز فردا عن آخر أو أمة عن غيرها إلا تمايز المقومات واختلاف المكونات والخصوصيات الدينية والثقافية والتاريخية واللغوية والجغرافية.

وإن التدافع الحضاري بين الأمم والحضارات قام عبر مراحل التاريخ وإلى اليوم على إبراز قيم الذات وتعميم نشرها وإقناع الآخرين بها بحجة البرهان أو إلزامهم بها بقوة القهر والسلطان، ولا تستطع الأمم التغلب على بعضها إلا حين تخترق أمة أخرى وتأثير في مقوماتها تعديلا أو محوا وإزالة، وإن الأمم الأكثر قابلية للاختراق والغزو والمحو هي الأمم التي لا تعتني العناية الكافية بصون مبادئها وحفظ مقومات وجودها الثقافي، ولا تقيم الدعائم اللازمة لترسيخ بنائها الفكري والعقدي، وإصلاح التصرفات وتقويم السلوكات وتهذيب الطبائع لتستقيم على هدى ما أقامته من القوانين والشرائع.

إن صون هذه المقومات ليتطلب جهودا متواصلة وأعمالا متكاملة، ووسائل متجددة، وإمكانات متعددة.

وإن أمتنا اليوم أصبحت مهددة في مقومات وجودها، ومستهدفة بتحطيم عناصر قوتها وإضعاف جهاز مناعتها؛

فحصن الدين تطاولت عليه ألسنة المغرضين وأساءت فهمه عقول القاصرين والجاهلين، وأبعد عنه حماته واستباح عرضه عداته، وقصر عن الدعوة إليه دعاته.

وحصن التاريخ والتراث العلمي للأمة أبعد أبناؤنا عنه وحرموا الاستفادة منه، فخلا الجو للتشكيك فيه بدون منازع وتشويه أمجاد الآباء من غير مدافع.

وحصن اللغة التي أُهمل استعمالها وإصلاحها، وحيل بيننا وبين تعلمها واكتسابها، وكثر الدعاة إلى هجرها، وضعف كثير منا عن التعبير بلساننا عن مرادها وفكرها، بله الاعتزاز والمفاخرة بها على غيرها، فكيف تنهض أمة بغير استعمال لسانها، بل كيف لأمة الإسلام أن تدخل التاريخ وقد نزع منها لسانها ونخر كيانها، كيف وهي أمة أقام الله وجودها على فهم دينها بمقتضى لسانها، وأقام مخاطبتها للناس جميعا على شروط بيانها؟!.

أما حصن الوحدة فتوالت عليه المعاول من الخارج والداخل وأحالته أشباحا بلا أرواح، وتمزقت الأمة أحزابا وأشتاتا، وتفرقت شعوبها وتكدر صفو قلوبها بسبب ما أشعل بينها من حروب وما تركته من نوائب وكروب.

إن تحطيم هذه الحصون وتهديم هذه المكونات بشتى الأساليب جعل الأمة اليوم في حال لا تحسد عليه من الضعف المادي والوهن النفسي والاختراق الحضاري وضعف المناعة الحضارية، يستلزم العلاج العاجل والشامل، وإن كل تأخير في ذلك لا يقود إلا إلى مزيد من المهالك، وقانا الله من عواقب الخذلان وأرشدنا لأقوم المسالك في حفظ ديننا وأمتنا.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *