أمتنا ناهضة رغم الجراح (3/1)


في ظل واقع الأمة الصعب تأتي جملة من التساؤلات هي: هل من أمل في أمة احتُلَّت بعض بلدانها، وظهر عليها عدوها، هل من مستقبل لأمة انتشر فيها الجهل والفقر والمرض والاستبداد؟ ثم أليس الحديث عن الأمل في مثل تلك الظروف لا يعدو أن يكون نوعا من الهروب والتخدير والإلهاء؟ تساؤلات ترِد على الخواطر، وتحل في الأذهان وتستقر في النفوس، والجواب عنها مهم لأهمية الموضوع وخطورة النتيجة.

مقدمة لازمة:
من الحق والواقع أن نقول: لو كانت أمتنا أمة ميتة لا حراك فيها لما استهدفها أعداؤها ولما تكالبوا عليها، إذ لا يُقصد بالحجر إلا المثمر من الشجر، وأمتنا أمة حية قابلة للنهوض من كبوتها، ومؤهلة لأن تكون الأمة الرائدة؛ لأنها تحمل في ذاتها ركائز نهضتها، وعوامل قوتها، وأسباب عودتها، فهي تمرض ولا تموت، وتغفو ولا تنام، ومن قال هلك الناس فهو أهلكُهم أو أهلكَهم. فأزمات الأمة المتعاقبة لا تعني موتها ولا فناءها ولا ضياع الأمل في مستقبلها، وأعداؤنا يدركون ذلك ويحسبون له ألف حساب، ولذا يصدِّرون إلينا روح اليأس والإحباط لنفقد كل أمل في نهضة أو عدوة أو ريادة.
التبشير والتفاؤل واجب وقت الشدائد:
بتأمل وتفهم للسياقات القرآنية نلحظ أن الحديث عن الصبر والأمل ومحاربة اليأس والقنوط كان دائما يأتي في لحظات الشدائد والمحن، وقد قال أبو حيان في تفسيره: “إنَّ المؤمن يرجو الله تعالى في الشدائد والكافر ليس كذلك”، وهذا صحيح إذ لا أولوية ولا كبير حاجة للحديث عن التفاؤل والأمل والصبر وقت الرخاء والنعمة، وتأكيد ذلك من الآيات القرآنية و الأحاديث النبوية كما يلي:
– لا يأس وإن طالت المحنة: يظهر ذلك في قوله تعالى على لسان يعقوب : يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون (يوسف: 87). فبعد طول غياب ودوام حزن أفضى إلى أن ابيضت عينا يعقوب، ومع هذا يدعو يعقوب بنيه أن يبذلوا الجهد دون يأس من رحمة الله وتنفيسه وفرجه، يقول الطبري: “لا يقنط من فرجه ورحمته ويقطع رجاءه منه (إلا القوم الكافرون)، يعني: القوم الذين يجحدون قُدرته على ما شاءَ تكوينه”. فجاء التبشير والدعوة إلى الرجاء والأمل وسط الشدة.
– وعلى لسان إبراهيم يأتي قوله تعالى: ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون (الحجر: 56)، وجاء هذا بعد التبشير بأمر عجيب حيث بشرته الملائكة بالولد بعد طول انتظار وفقدان أمل بسبب الكبر. ويلاحظ في الآيتين أن القرآن ربط اليأس والقنوط من رحمة الله وفرجه بأمرين خطيرين هما: الكفر كما في الآية الأولى والضلال كما في الثانية، ولا أدل على حرمة اليأس والقنوط من هاتين الآيتين.
– وفي حالة الإسراف على النفس في الذنوب، والغرق في لجج المعاصي ينادي الله عباده في هذه المحنة النفسية بأمل كبير يستبشرون به قال تعالى: قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم (الزمر: 53).
– وفي السنة الشريفة نجد البشرى النبوية حاضرة وسط الشدائد، تبشيرا بالأمل الكبير في نصر الله، وإظهار دينه في الأرض جميعا، ونضرب لذلك مثالين: أحدها مكي والآخر مدني.
أما المكي: فيرويه لنا خباب بن الأرت رضي الله عنه حيث يقول: شكونا إلى رسول الله وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة، فقلنا: ألا تستنصر لنا ألا تدعو لنا؟ «فقال قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها، ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه، ما يصده ذلك عن دينه والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون» (رواه البخاري). ومعلوم حال الشدة التي أحاطت بالفئة المسلمة في العهد المكي.
وأما المدني: ففي غزوة الخندق التي صور القرآن فيها محنة المؤمنين وشدتهم في قوله تعالى: إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذا زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا هناك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا (الأحزاب: 10-11). في هذا الوقت العصيب يبشر الرسول بفتوحات عجيبة، ففي حديث البراء بن عازب قال: لما كان حين أمرنا رسول الله بحفر الخندق عرضت لنا في بعض الخندق صخرة لا تأخذ فيها المعاول، فاشتكينا ذلك إلى النبي ، فجاء فأخذ المعول فقال بسم الله فضرب ضربة فكسر ثلثها، وقال: «الله أكبر أعطيت مفاتيح الشام والله إني لأبصر قصورها الحمر الساعة، ثم ضرب الثانية فقطع الثلث الآخر، فقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح فارس والله إني لأبصر قصر المدائن الأبيض، ثم ضرب الثالثة وقال: بسم الله فقطع بقية الحجر، فقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني هذا الساعة»(رواه أحمد والنسائي).
وليس ذلك غريبا على رسول الله لأنه بعث مبشرا، وكان إذا أرسل أحد رسله كان يوصيه مؤكدا عليه أن يبشر ولا ينفر، فبان بذلك أن التبشير والتفاؤل والأمل من الضرورات النفسية والإيمانية للأمة في أوقات شدتها ومحنها خاصة، ليستعان بتلك القوة النفسية على تجاوز الأزمة واستكمال الطريق.
فعلى المسلمين أن يتحركوا بتلك الروح الإيمانية الوثابة، وأن يبحثوا عن مكامن قوتهم، وعوامل صحتهم، وليعلموا أن القوي لا يظل قويا طول حياته وأن الضعيف لا يستمر ضعيفا أبد الدهر.

د. أحمد زايد

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *