مثل كلمة طيبة


قال الله : أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيّبَة أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ تُوتِي أُكُلَهَا كُلَّ حينٍ بِإِذْنِ رِبّهَا ويضرب الله الَامثال لِلنَّاسِ لَعَلّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ(سورة إِبراهيم: 25).

هذا مثل  من أروع الأمثال القرآنية التي ضربها الله جل شأنه؛ فهو رائع في مبناه ومعناه،  ورائع في مضمونه ومغزاه؛ جريا على ما تميز به القرآن الكريم من بلاغة في الأسلوب، وبراعة في  التعبير، وجزالة في المعاني….

وتظهر تلكم المميزات والخصائص في هذه الآية من حيث التعبير؛ في المفردات والمصطلحات المناسبة للتمثيل، والكيفية التي رصفت بها فجاءت متناسقة باهرة في الإعجاز والتركيب، ومن حيث البلاغة؛ في طرفي التشبيه: المشبهِ والمشبهِ به… وغير ذلك مما تكونت منها الهيئة التمثيلية جملة، ومن حيث المضمون؛ في التطابق التام بين المشبه والمشبه به من حيث ثمراتُ كل منهما ونتاجُهما وآثارهما.

فإذا كانت كل شجرة مثمرة لها ثمر ينتفع به نوعا من الانتفاع، ناهيك عن شجرة وصفها الله سبحانه وتعالى بأوصاف وخصها بخصائص: فهي شجرة طيبة، ولها أصل ثابت، ولها فروع ممتدة في الأعالي، أكلها دائم وظلها؛ مما يجعلنا نتخيل مع هذه المواصفات أنها من أفضل أشجار الدنيا، فكذلك الكلمة الطيبة التي ألحقت بها في التشبيه تَثْبُت لها معنى وعقلا نفس المواصفات والخصائص الثابتة حسا في الشجرة؛ مما يجعلها أيضا أفضل ما نطق به بشر في هذه الدنيا. فإذن التماثل والتشابه والتقابل حاصل في الكلي والجزئي وبين الحسي والمعنوي من طرفي التشبيه.

قال الشيخ الطاهر بن عاشور رحمه الله: “فالمشبّه هو الهيئة الحاصلة من البهجة في الحس، والفرح في النفس، وازدياد أصول النفع باكتساب المنافع المتتالية بهيئة رُسوخ الأصل، وجمال المنظر، ونماء أغصان الأشجار ووفرة الثمار، ومتعة أكلها.

وكل جزء من أجزاء إحدى الهيئتين يقابله الجزء الآخر من الهيئة الأخرى، وذلك أكمل أحوال التمثيل أن يكون قابلاً لجمع التشبيه وتفريقه”، انتهى كلامه رحمه الله.

ثم بعد هذا؛ ما المقصود بالشجرة الطيبة، وما ذا عساه أن يكون نوع هذه الشجرة لتشبه بها الكلمة الطيبة وتناظرها في آثارها ونتاجها؟

هل المقصود بالشجرة الطيبة هو كل شجرة ذات ثمر وغلة حلوة، أم المقصود بها شجرة بعينها؟

قال الزمخشري: “وأما الشجرة فكل شجرة مثمرة طيبة الثمار ، كالنخلة وشجرة التين والعنب والرمّان” (1)، وذهب جمع من المفسرين إلى أن الشجرة الطيبة المقصودةَ هنا؛ هي النخلة(2)؛  فالنخلة أَصْلُهَا ثَابِتٌ  في الأرض، وَفَرْعُهَا باسق فِي السَّمَاءِ، وهي كثيرة العطاء، دائمة النفع، حلوة الثمر.

وفي جامع الترمذي عن أنس بن مالك  عن رسول الله  أنها “النخلة….”

فهذه الشجرة شجرة مباركة، وعظيمة، ولها مكانة خاصة في قلوب الناس؛ خاصة من توجه إليهم الخطاب بادئ الأمر، لأنها تكثر في بيئتهم ويعلمون علم اليقين قيمتها وفائدتها، ولأجل ذلك لا غرو أن تصير  مضرب المثل في مواضع ومواقف كثيرة؛ من ذلك هذا الموضع في كتاب الله تعالى، وفي السنة المطهرة أن الرسول الأكرم  شبه بها أيضا المؤمن الصالح الكثير النفع.

فـعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله  قال: «إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، وهي مثل المسلم حدثوني ما هي؟» فوقع الناس في شجر البادية، ووقع في نفسي أنها النخلة ، قال عبد الله فاستحييت، فقالوا: يا رسول الله أخبرنا بها، فقال رسول الله : «هي النخلة…» (رواه البخاري ومسلم).

فبركة النخلة موجودة في جميع أجزائها مستمرة في جميع أحوالها؛ وكذلك بركة المؤمن عامة في جميع أحواله، ونفعُه مستمر له ولغيره حتى بعد موته.

ويكفي دليلا على قيمتها غِذاء ودواء أن الله أوحى إلى مريم عليها السلام وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تَسَّاقَطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فكانت لها دواء وشفاء وبلسما وذهابا لما تجده من وجع المخاض وهم الموقف.

ولنا أن نتساءل عن المراد بالكلمة الطيبة التي ضربها الله مثلا، هل المقصود بهذه الكلمة الطيبة كلَّ كلام طيب ليس فيه إسفاف وليس فيه ما يمكن أن يمجه السمع أو يرفضه الطبع، أو المقصود بالكلمة الطيبة معنى خاصا هو ما يعنيه كتاب الله تعالى؟

ذهب جمهور من المفسرين(3) إلى أن المراد بـ”الكلمة الطيبة” كلمة التوحيد والإسلام وهي: (شهادةُ أن لا إله إلا الله) نقلا عن ابن عباس، و ذهب الشيخ الطاهر بن عاشور رحمه الله إلى أن المراد بها القرآن.

وقيل: إن الكلمة الطيبة هي كلُّ كلمة حسنة(4)؛ كالتسبيح، والتحميد، والاستغفار، والتوبة وقراءة القرآن(5) ودعوة الناس إلى الخير، وكلُّ ما أَعرب عن حق أَو دعا إلى صلاح.

ولعل تنكير “كلمة” في قوله تعالى: مَثَلاً كَلِمَةً طَيّبَةً دال على أن المراد بها هذا المعنى والله أعلم.

وعلى معنى أن “الكلمةَ الطيبة” هي  شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، يكون الغرض من التشبيه إظهار أن هذه الكلمة؛ تثمر جميع الأعمال الصالحة الظاهرة والباطنة؛ كما تثمر الشجرة الطيبة  الثمر النافع.

(ووجهُ التماثل في هذا التمثيل –كما قيل- أنه سبحانه شبه “الكلمة الطيبة” وهي كلمة لا إله إلا الله وما يتبعها من كلام طيب شبهها بتلك الشجرة الطيبة، ذاتِ الجذور الضاربة في الأعماق، وذات الأغصان الباسقة في السماء، بحيث لا تنال منها الرياح العاتية، ولا تعصف بها العواصف الهوجاء، فهي تنبُت من البذور الصالحة، وتعيش في الأرض الصالحة، وتجود بخيرها في كل حين، ثم تعلو من فوقها بالظلال الوارفة، وبالثمار الطيبة التي يستطيبها الناس ولا يشبعون منها، فكذلك “الكلمة الطيبة” تملأ النفوس بالصدق والإيمان، وتَدْخل إلى القلب من غير استئذان).

ولئن كانت جذور الشجرة الطيِّبة تتفرَّع في جوف الأرض كما وصفها الله تعالى:أَصْلُها ثابِتٌ.. فإن الكلمة الطيِّبة تتفرَّع في أعماق القلب وشرايينه، وتلامس سويداءه وشغافه.. لتخلِّف مكانها السلم والسلام، والأنس والاطمئنان… بينما تصعد فروعُها إلى سماء النفس فتجلوها.. وإلى مرآة الوجدان فتَصقُلَها.. وتنشرُ على من حولها ظلال الأمن والإيمان….

إن الكلمةَ الطيِّبة هي التعبير الصريح عما وقر في قلب صاحبها من إيمان صادق بخالقه ومولاه، وذلك بما يلهج به من ذكر ودعاء وابتهال وقراءة وتدبر للقرآن، ومن تسبيح وتحميد وتمجيد وتعظيم لله المنان؛ فيزيد بذلك رفعة ومنزلة وقربا من ربه الرحيم الرحمن، حتى ليغدقَ عليه من العطايا ويُفيضَ عليه من المواهب ما لم يخطر له بالحسبان…..

وهي التعبير الصريح عما يختلج في قلبه تجاه إخوانه من الأحاسيسِ الخفاقة، والمحبة الصادقة، والرغبة الجامحة في التواصل والبذل والمواساة، والتخفيف من المعاناة؛ فينطلق ناطقا بجميل القول وعذب الكلام، كلام له حلاوة، وعليه طلاوة، يسحر نفس سامعه ويؤنسها، ويخلصها مما أصابها وينعشها، ويفتح أمامها أبواب الأمل والرجاء، فتتبدل النفس غير النفس، وتُنشأ خلقا آخر تورِق وتزهِر من جديد، وتتفتَّح بأجمل عبارات الحمد والثناء، والثقة والولاء، والحبِّ والصفاء.

أثر الكلمة الطيبة روْح وريحان وبلسم يضمد الجراح، ويربط بين القلوب ويؤلف بينها، ويصلح ما أفسدته الشياطين من علاقاتها وصلاتها.

وأثر الكلمة الطيبة جميل مسعد في كل حال؛ فهي تُسعد قائلها وسامعها… هي تخرج من القلب المزكَّى، ويطلقها اللسان المنقَّى لتستقر في القلب وتضيء ما أظلم فيه…

وأثر الكلمة الطيبة جميل مسعد في كل حين؛ فهي دائمة العطاء، وارفة الظلال، يتكاثر إنتاجُها، ودون توقف ولا اختلال يستمر أكلُها؛ كيف لا وهي الثابتة الأصل، الخالصة المعدن، الربانية المصدر، ينطقها العبد من رضوان ربه صاحب العطايا التي لا تنتهي، والهبات التي لا تنقضي،

هي من رضوان الله، لأنه سبحانه هو الذي أمر بها وهو الذي أذن فيها بقوله : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيما  وبقوله: وقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَتِي هِيَ أَحْسَنُ إنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ؛ يقولوا التي هي أحسن على وجه الإطلاق، وفي كل مجال، وفي كل الأحوال والأحيان، فيختاروا أحسن ما يقالُ ليقولوه، ويجتنبوا سيء ما يقال ليتقوه؛ يختاروا الكلمة الطيبة التي تسد على الشيطان الثغرات، وتقطع عليه السبيل في تلمس عثرات اللسان ووسوسات الجنان التي بها يذكي نار العداوة والبغضاء، وتصده عن أن يصل إلى المومنين ويمس نفوسهم أو وحدتهم أو جماعتهم بسوء.

جعلني الله وإياكم ممن حرَّمهم على الشيطان، ووفقنا إلى طيِّب القول والإحسان.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

د. خالد العمراني

————–

1 – الكشاف للزمخشري.

2 – ينظر الهداية إلى بلوغ النهاية لمكي بن أبي طالب القيسي والمحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية، و زاد المسير لابن الجوزي،

3 – ينظربمناسبة الآية: زاد المسير في علم التفسير لابي الفرج، عبد الرحمن بن الجوزي، ومجمع البيان في تفسير القرآن لأبي علي الفضل الطبرسي . والجامع لأحكام القرآن لأبي عبد الله، محمد القرطبي،  ولباب التأويل في معاني التنزيل للخازن وغيرهم.

4 – ينظر التسهيل لعلوم التنزيل لابن جزي الكلبي.

5 – ينظر البحر المحيط لأبي حيتن والكشاف للزمخشري.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>