كيف نواجه الإلحاد (4/4)


تناول الكاتب في الحلقة السابقة سبل مواجهة الإلحاد وعلاج معضلته وفي هذه الحلقة الأخيرة يواصل عرض سبل أخرى للوقاية والعلاج.

3 – دليل الفطرة:

وهو من قواعد اليقين في وجود الله تعالى، وفهم هذا الدليل وإدراك أبعاده وآثاره النفسية يساعد المؤمنين على مواجهة شبهات الإلحاد، وفي هذا المقال شيء من البيان العلمي حول هذا الدليل:

والفطرة كما يقول الراغب في مفرداته: “وفطر الله الخلق وهو إيجاد الشيء وإبداعه على هيئة مترشحة لفعل من الفعال”. وتلك الهيئة في تقديري جعل المرء مهيئا لقبول الإسلام ميالا بقوة نحو الإيمان بخالق عظيم.

إيمان العجائز:

وأبدأ الكلام بموقف تاريخي حكي عن الإمام الرازي وغيره؛ حيث سار يوما وخلفه جموع من تلامذته ومريديه، فلقيتهم عجوز في الطريق، وسألت من هذا؟ قالوا لها: أما عرفته؟ هذا الذي أقام ألف دليل على وجود الله تعالى، فقالت: لو لم يكن في قلبه ألف شك ما احتاج لألف دليل، فلما بلغته (الرازي) كلمتها، قال: اللهم إيمانا كإيمان العجائز.

وقد أورد ابن حجر في لسان الميزان (6/319) كلمة وهو بصدد ذكر مناقب الرازي أنه قال: (من التزم دين العجائز فهو الفائز). والمقصود هنا الإيمان الفطري الذي لم تطرأ عليه شوائب الشبهات، ولا خاض أصحابه معمعة المناظرات والمناوشات، ولا لجج الإشكالات والإيرادات.

إذا سلمت الفطرة وتحقق الإيمان لم يكن من اليسير إزالته من النفوس لمغالبته المرء دائما، حيث يطفو ملحا على الدوام يناديه بوجود إله خالق مدبر حكيم، لأن الإيمان آنئذ يُعدّ من العلم الضروري الذي يصعب دفعه عن النفس، وهذا في حق أصحاب الفطر السليمة التي لم تلوثها الأمراض أو الشبهات.

فطرة الله تعالى:

قال تعالى: فطرة الله التي فطر الناس عليها(الروم: 30). يقول ابن كثير “فطر الله خلقه على معرفته وتوحيده، وأنه لا إله غيره” (ابن كثير: 6/313). وقد خلق الله تعالى الخلق على هيئة الاستعداد الكامل للاعتراف بربوبيته والإقرار بألوهيته بمعنى استعداد تلك النفوس لقبول الإسلام متى عُرِض عليها عرضا سليما، وقد ثبت في التاريخ كيف توجهت نفوس البشر نحو البحث عن إله، وكان أحد الأسئلة الكبرى لدى جميع البشر عبر الزمان كله: من خلق الخلق؟

كما صرح القرآن الكريم بعمل تلك الفطرة وقت الشدة من حيث توجهها المباشر صوب الإله الحق حتى ولو كانت قبل تلك الشدة منكرة لهذا الإله، قال تعالى: وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيبا إليه(الزمر: 8)، وقد بلغ الأمر في هذا المعنى من ناحية البحث العلمي “إلى حد التفتيش عن جين مسؤول عن نزعة التدين هذه، فقد نشر عالم الجينات الأمريكي  دين هامر كتابا سنة 2005م بعنوان (الجين الإلهي: كيف ضُمِّن الإيمان في جيناتنا” (شموع النهار/ عبد الله العجيري ص:32).

الفطرة في عبارات غير المسلمين:

في مواجهة صيحة الإلحاد الغربي جاءت أصوات عاقلة مؤمنة تدحض تيار إنكار الفطرة كأحد أدلة الإيمان، وحيث أكد كثير من علماء الغرب مسألة الفطرة ودلالتها على الإيمان واعتبروا أن فكرة الإلحاد وإنكار الإله فكرة شاذة تنكرها الفطرة السليمة فضلا عن أدلة العقل والدين والعلم والواقع، ففي كتاب: “تأملات في البواعث النفسية للإلحاد” لـ”رشود عمر التميمي” نقرأ التصريحات الآتية لعلماء غربيين:

• يقول البروفيسور تريج: “إن الأطفال على وجه الخصوص يجدون أنه من السهل التفكير بطريقة دينية، كالإيمان بإله عليم بكل شيء” (ص: 17).

• وفي دراسة أجراها الباحث بروس هود بجامعة بريستول في بريطانيا أثبت فيها أن الإيمان بالغيبيات مغروس في الدماغ منذ الولادة، ولذلك فإن الأديان تستمد قوتها من مصدر قوي”. (ص:18).

• ومن أهم البحوث في هذا المجال ما قام به جستن باريت من بحث في هذا المجال حيث أصدر كتابا شهيرا حول الموضوع وعنوانه: “المولودون وهم مؤمنون” قرر فيه كنتيجة لعمله البحثي قائلا: “لو تركنا أطفالا لوحدهم على جزيرة فنشأوا بأنفسهم فإنهم سوف يؤمنون بالرب”.

• يقول صاحب الكتاب “تأملات في البواعث النفسية للإلحاد” السابق ذكره: “ويمكن أيضا ملاحظة هذا الميل الفطري عند البشر من خلال دراسة الأديان ومعتقدات السكان الأصليين الذين لم يخالطهم أحد، كالسكان الأصليين في استراليا (aborigines). ومن أوضح الأمثلة على ذلك اعتقادات قبائل الكاباوكو الذي عثر عليهم في مقاطعة بابوا في غينيا الجديدة قرب إندونيسيا، حيث لم يعلم أحد عن وجودهم إلا في العشرينيات من القرن الماضي، وعندما بحثت أحوالهم ومعتقداتهم وجد أنهم يؤمنون أن الخالق خارج السماء وأنه خلق كل شيء وأنه قدر كل شيء منذ الأزل، وأنه لم يلد ولم يولد، وأنه لا يخضع للزمان ولا يتغير وأنه قد خلق بجانب الخلق المحسوس كائنات أخرى غير محسوسة بعضها للخير وبعضها للشر” (ص: 18-19).

وعندما نتكلم عن الفطرة من حيث هي دليل من أدلة الإيمان في مواجهة الفكر الإلحادي لا نتكلم عن شيء بسيط وإنما نتناول شيئا مركبا يشمل الأمور الآتية:

• الأوليات العقلية التي تدل بتطبيقها الصحيح على وجود إله.

• والغرائز الطبيعية التي منها غريزة حب التدين والتوجه نحو الإله.

• والأخلاقيات.

وصدق رسول الله  عندما قال: «ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو يمجسانه أو ينصرانه» (رواه مسلم)، ولا يطعن في أحقية هذا الدليل إنكار البعض له ممن يزعمون أنهم لا يشعرون بمقتضاه، فأولئك قوم انحرفوا عن الوضع السليم لفطرهم بحيث لم تعد على وضعيتها الصحيحة ولكنهم في الشدائد والأهوال لن تنطق فطرتهم إلا بإله واحد يتوجهون إليه.

ولا يطعن كذلك في أحقيتها تفسير البعض بأن هذا الشعور نحو الإله ناتج عن حالة ضعف بشري يجعله يؤمن بوجود إله، وغير ذلك من محاولات الإنكار التي لا تجدي شيئا.

إن تجرد العاقل من الهوى وتركه العنان لفطرته تعمل ومحافظته عليها من المؤثرات السلبية كل ذلك يضعه على طريق اليقين الفطري الطبيعي الذي ينفر معه من كل لوثة إلحاد أو إنكار لوجود إله خالق.

فهل ننكر فطرتنا ونصدق دعاوي بلهاء شوهاء تؤمن، بلا شيء اللهم لا.

د. أحمد زايد

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *