قبسات فكرية ـ الحج وصياغة الإنسان المسلم


الإسلام في تماسك بنائه وتكامل مكوناته ولبناته نسيج وحده بين الملل والأديان، فهو في الكمال والجمال مثال لا يدانى، وهو النموذج الأعلى الذي يتنافس في ترسمه ومحاكاته أولو الألباب وأصحاب الهمم، والمعراج الذي تكدح الأرواح في تسلق درجاته والتشوف إلى ذراه.

وتتخذ كل شعيرة من شعائر الإسلام موقعها، وتؤدي وظيفتها المحددة لها ضمن النظام العام الذي يمثل مراد الله  في هذا الوجود، وهو تحقق العبودية والخضوع لله الواحد القهار، تلك العبودية التي يمثل الإنسان محورها ومقصدها من حيث كونه منوطا بها على مستوى التمثل والتجسيد، وكذا على مستوى تحصيل المنافع وجني الثمار. ويبقى الكون فيما يمثله من تناسق عجيب في ظواهره وأفلاكه، وتعبيراته وحركاته، المجال الحيوي الواسع الرحب لحركة الإنسان وأدائه، والخزان الثر الزاخر الذي يمده بمادة التشكيل وأدوات العمل، والتي إن هو أحسن استثمارها وحرص على صيانتها من عوامل التبديد والإتلاف، أسعفته خير إسعاف، في تحقيق المراد من وجوده على هذه الأرض.

إن صياغة الإنسان المسلم باعتباره بنيان الله الذي يمثل خليفته في الأرض مصداقا لقوله : إني جاعل في الأرض خليفة، تمثل الهدف الأسمى لكل ما جاء به الإسلام من قيم وشعائر، فبتلك الصياغة يتم النهوض بأعباء الاستخلاف على الوجه الذي يتدرج  في الكمال والإتقان والإحسان، بحسب ما تقوم عليه تلك الصياغة من كمال وإتقان وإحسان.

وتمثل شعيرة الحج ضمن تلك الشعائر المنيفة السامية ركنا متميزا يضطلع بقسط وافر في تلك الصياغة الربانية العميقة الغور البعيدة المدى، فتجربة الحج تمثل بالنسبة للحاج تجربة فذة تشرئب فيها النفس، لاستشراف أعلى مقام ممكن من مقامات القرب من العلي القدير العليم الخبير، وتحقيق أعلى درجة من السمو الخلقي في خضم الحياة، وضمن شبكة العلاقات الواسعة النطاق المتعددة الأبعاد، ذلك أن ما تتضمنه تلك التجربة من مزيج فريد من الأعمال الروحية والبدنية كفيل بأن يشكل نفس الحاج المتحفزة للتحرر والانعتاق ويصوغ شخصيته التواقة للتوازن والاستقرار، صياغة جديدة تقوم على أساس تجديد العهد مع الله ، والتعبير الصادق عن إرادة الأوبة إلى واحة الإيمان الصادق، والإنابة إلى من بيده ملكوت كل شيء، ويرجع الأمر إليه كله.

إن من معالم العظمة في هذه الشعيرة الكبرى، أن تتجمع فيها دواعي الإصلاح الفردي والجماعي على أساس من الترابط الوثيق، والتواشج العميق، فيتحقق من خلال ذلك في موسم الحج مشهد عظيم من التوحد والتآخي، والتوادد والتراحم، يستمد زخمه ودفقه من تجديد الصلة بالله ونشدان رحمته وغفرانه، فخلال هذا المشهد الفسيفسائي العجيب، تتحول الكثرة إلى وحدة، وتمثل الشارات والرموز عوامل لتعميق تلك الوحدة الروحية الخلاقة، وشحذ آصرة الأخوة الإيمانية التي تتضاءل إزاءها سائر الأواصر.

فالإحرام بالحج باختلاف صيغه وأشكاله هو لحظة عظمى لتجاز ماض مثقل بالمعاصي والذنوب الحاجبة للحقائق المعكرة للصفاء، والشروع الصادق في مرحلة جديدة قوامها الطهر والنقاء، والإخلاص لخالق الأرض والسماء.

والتلبية المصاحبة للإحرام هي تعبير يمتد من جارحة اللسان ليعبر أعماق الجنان، ويهيئ سائر الأركان لنقلة روحية يتجدد فيها الإيمان، ويؤوب فيها العبد للرحمن. إنها بحق رحلة الأمن والأمان، والسكون والاطمئنان.

وإن في ارتباط التلبية بميقات مكاني محدد معلوم، لرمزية موحية لما تنبغي مراعاته من الإنسان المسلم، الذي يرجو لله وقارا، من الحدود المرسومة حتى إبان ممارسته لشعيرة يبتغي بها وجه الله ، فشأن الطاعة رهين بالاتباع بعيد عن الابتداع. وما أعظمها وأرهبها لحظة تلك التي يتم فيها الإعلان عن بلوغ الميقات، فينتفض فيها الحجاج للبس الإحرام، والنطق بكلمات التلبية عالية الوقع والإيقاع، إيذانا بالشروع في دورة تحلق فيها هبة والنفوس والأرواح، بألف جناح وجناح.

وما أروعها لحظة تلك التي يقف فيها الحاج وقفة خشوع ورهبة وإجلال أمام الكعبة المشرفة البهية الغراء، تكتحل بها عيناه، ويذرف في ظلها أحر الدموع، ويلهج بخالص الدعاء، وهو يطوف حولها دورات يستحضر خلالها وفي خضم أمواج الحجيج أعذب ذكريات الإسلام وبلاء نبي الإسلام سيدنا محمد ، وصحبه الغر الكرام، عليهم من الله الرضا والرضوان، وبلاء أبي الأنبياء سيدنا إبراهيم وابنه سيدنا إسماعيل عليهما السلام وهما يرفعان القواعد من البيت العتيق.  ويتولد لديه شعور عميق بالانتساب لأعظم أمة وأعظم دين، والاعتزاز بذلك الانتساب المتين.

كما يجدر بالطائفين حول الكعبة البيت الحرام والساعين حول الصفا والمروة أن يستلهموا أجل القواعد وأعظم العبر التي ينبغي أن توجههم في خضم الحياة وأعاصيرها وأنوائها، وأن يدركوا أن  الوجهة ينبغي أن تظل ثابتة، وأن الأقدام ينبغي أن تظل راسخة في المسار الصحيح، مسار الكدح إلى الله ، والدعوة إليه سبحانه جل جلاله.

وأما الوقوف بعرفة في ذلك اليوم المهيب، يوم الحج الأكبر، فهو أعظم فرصة تحتشد فيها عينة عظيمة تمثل أمة الإسلام وهي أقرب ما تكون إلى رحمة الله، فما ظنك بعباد يشهد الله  ملائكته بأنه قد شملهم بعفوه وغفرانه؟

وأما أيام التشريق بمنى وما يحصل فيها من رمي للجمار، فتأكيد لاستمرارية استشعار عداوة الشيطان، و حذر أحابيله ومكايده ومصايده، وضرورة الاعتصام بالله والاستعاذة به من وسوسته وهمزه ونفثه. إنها استحضار لمعنى قوله تعالى:إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا.

إن شعيرة الحج هي بحق جامعة فريدة عظمى يجد فيها طائفة من المسلمين كل عام فرصة سانحة للاغتسال من الأدران، وتجديد العهد مع الله ، وترميم البناء، وتصحيح الأخطاء، وتجديد الولاء.

د. عبد المجيد بنمسعود

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *