حاجة الأمة إلى البحث العلمي ومؤسساته الراشدة


إن نهضة كل أمة رهينة بطبيعة البحث العلمي فيها كمّا وكيفا، ورهينة أيضا بالرصيد التاريخي للأمة في مجال العلوم والمعارف.

وإن الأمة التي تملك تراثا علميا زاخرا، وتملك إلى جانبه مقومات البحث فيه بحثا علميا رصينا ومنهجيا سليما تكون أقدر على  أن تجدد مقوماتها وتبعث الحياة من جديد في مكوناتها، وإن هي فعلت ذلك وأقامت عملها على الحكمة وبعد الرؤية تكون قد وضعت نفسها على الطريق السوي، ووضعت أسس بنائها الحضاري القوي.

وإن الأمة الإسلامية منذ قرنين تقريبا وهي تتلمس طريق نهضتها، وإن بداية هذا الطريق لن تكون بدون   العناية أولا بالبحث  العلمي في جميع المستويات والتخصصات والقطاعات، زمانا ومكانا، أصولا وفروعا من الوحي وعلومه إلى الفكر ومعارفه واجتهاداته، وثانيا لن يكون ذلك كذلك إلا بمشاريع البحث العلمي من خلال مؤسسات مؤهلة بإمكانات مادية تقنية ومالية، ومزودة بطاقات بشرية  تمتلك ناصية البحث  العلمي  نظريا ومنهجيا وتطبيقيا.

ولن تكون هذه المؤسسات البحثية قادرة على ضخ دماء التجديد من غير أن ترتاد الآفاق الآتية:

أولا – جمع المنجز العلمي والحضاري للأمة الذي تفرق عبر الزمان والمكان وتسلطت عليه كثير من عوادي الدهر إتلافا أحيانا وظلما وإجحافا أحيانا أخرى، وإن جمع هذه الجهود وتوثيقها وتحقيقها وتصنيفها ليعد من  الأولويات الكبرى  ومن واجبات الوقت على أجيال الأمة وعلمائها، إذ لا قيام لهذه الأمة وهي جاهلة بذاتها الحضارية ولا شهادة لها على الناس من غير استكمال مشروعها  الرسالي الذي أضاف إليه علماء كل عصر  بحسب ما فقهوه من واجبات عصرهم واحتياجاتهم العلمية والحضارية.

ثانيا – فِقه هذا المنجز أنواع من الفقه تيسر تصحيح الفهم للوحي وعلومه في مقاصده النبيلة وقواعده الأصيلة، وتمكن من الوقوف الصحيح على ما فيه من غنى مناهج النظر  وخصوبة نتائج الفكر في بناء الإنسان السوي التقي والعمران القوي النقي.

ثالثا – استنباط ما في الوحي من الهدى المنهاجي  لتبين الطريق الصحيحة إلى أي إصلاح، واستثمار جهود القدامى والمحدثين من العلماء الربانيين الراسخين في العلم لإبصار الطريق واضحا نحو المستقبل الذي يَحْمِل أجيال هذه الأمة أمانةَ استكمال بنائه على أسس قويمة من الهدى والوحي، وعلى  ركائز سليمة وصحيحة في  الفهم والوعي.

والحقيقة التي لا مراء فيها أن عملية الجمع الكامل الشامل والتحقيق الدقيق الوثيق، والفقه  السديد الرشيد أعمال تنوء بحملها  العصبة أولي القوة، ولا تنهض بأعبائها إلا المؤسسات العلمية القوية : القوية برجالها وباحثيها، والقوية بمشاريعها، والقوية  بقدرتها على التنسيق والتشاور مع كل أبناء الأمة  ومؤسساتهم ذات الاهتمام المشترك.

وأخيرا نختم القول بأن معضلات هذه الأمة كثيرة وكبيرة، وإن المدخل الصحيح لعلاج  كلياتها ومقدماتها هو البحث العلمي بكل ما يحمل هذا اللفظ من معنى ومشروعية وثقل حضاري ممتد أفقيا وعموديا،  زمانا ومكانا  وإنسانا،  نظريا ومنهجيا وتطبيقيا ، فرديا ومؤسسيا. وصدق رب العزة حين قال : ومَا كَانَ الْمُومِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً  فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ(التوبة: 122)

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *