بنبض القلب ـ الفكر العربي، ووحدة الأمة


العصر الذي نعيشه هو عصر التكتلات الاقتصادية والثقافية والسياسة فما أن تستبد فكرة القطب الأوحد حتى يصل الأمر إلى حمل العالم على تبني كل ما يصدر عن هذا القطب واعتباره النموذج الأمثل الذي يجب أن يحتذى به الكل، لابد هنا من تكتلات تحمي العناصر المكونة لها من الذوبان والانحدار الحضاري والانسحاق تحت سنابك ثقافة الغالب التي قد تتجلى في عدة أثواب: كالحداثة، والانفتاح، والديمقراطية، والعولمة، وهي مصطلحات تهدف بالأساس للتمكين لنموذج أوحد، يسعى لاستنساخ الشعوب على شاكلته، ومن تم يحاول هذا الاتجاه بكل الوسائل المتاحة: عسكرية – اقتصادية – ثقافية – إلى الحيلولة دون قيام مشروع وحدوي بين مجموعة من الدول التي تتقاسم نفس المصير (إن الدراسة التاريخية تدلنا منذ حين وحتى يومنا هذا، بين مجموعة من الدول التي تتقاسم نفس المصير في العالم الثالث وفي العالمين العربي والإسلامي على وجه التحديد، على مشروع ذو أفق استراتيجي حضاري مستقل) (1) فهل ينجح المفكر العربي فيما فشل فيه السياسي العربي، وهل بإمكان العقل العربي أن يعيد صياغة المرحلة الحرجة التي تمر بالأمة؟؟…

إن عوامل الوحدة في الفكر العربي هي أقوى من عوامل التشرذم، أولها عامل اللغة المشتركة التي تصل المشرق بالمغرب عبر هذا الزخم الهائل من المؤلفات والجرائد والمجلات، وتسهل سيولة الفكر العربي وتقاذفه حول عدة محاور ثقافية يطرحها هذا المنبر أو ذاك، إضافة إلى الهم المشترك الذي يؤطر حياتنا اليومية، وإجماعنا العربي حول الدفاع عن القضايا الأمة المصيرية وعلى رأسها نبذ الاحتلال الصهيوني  لمقدساتنا ووطننا فلسطين .. غير أن أكبر مشكل يهدد هذا الوحدة هو مجاراة الفكر للسياسة داخل الوطن العربي، فحين يتمترس الفكر حول الأنظمة وتتحكم السياسات المحلية في إيجاد المادة الفكرية التي يشتغل عليها العقل العربي، حيث نرى النزاعات القطرية تساهم وبشكل مريع في تشرذم الفكر العربي وإشعال حروب ثقافية كما حدث إبان الغزو العراقي لدولة الكويت، إذ لم يقتصر الأمر على الصراع العسكري ، بل تحول إلى معركة إبداعية وفكرية تسند هذا الجانب أو ذاك … إنه من حق المبدع ومن حق المفكر أن يدافع عن وطنه ويرد عنه أي شر يحدق به، لكن الأهم هو أن يصبح المفكر أداة لرأب الصدع وردم الهوة السياسية التي احدثها تهور الساسة..

لازالت أذكر ما جاء في مقدمة الديوان المشترك «الطيران والحلم الأبيض» للشاعرين محمد علي الرباوي من المغرب، ومصطفى النجار من سوريا والتي تقول (إذا كانت كتب الجغرافيا تقول بأنه بين وجدة (المغرب) وحلب (سوريا) آلاف الأميال، فكتب الشعر تقول بين وجدة وحلب جدول» … هذه الكلمات رغم بساطتها تحمل في تلافيفها بذور التوحد الذي يسعى المبدع العربي إلى إخراجه من شرنقة الحلم إلى زمن الحقيقة … كما أن تكنولوجيا المعلوميات قد تساهم إلى حد كبير في تداول الفكر العربي وخلق منابر عبر الفضائيات تؤسس لفكر استراتيجي عربي موحد، يطرق معضلة الثقافية في العالم العربي، ويطرح الحلول، سعيا منه إلى إيجاد دستور وحدة فكرية وثقافية نلج من خلالها إلى الألفية الثالثة ونحن أكثر تحصنا وعقلنة وانفتاحا، فنتحول من شعوب تستهلك المعلومة إلى شعوب تساهم في إنتاجها والارتقاء بها، حينها لن تتكلم على عولمة ثقافية، بل على إنسانية الثقافة التي تساهم كل الأمم في بلورتها كل حسب نموذجه وعاداته وتقاليده مع احترام القواسم المشتركة التي توحد الهم الإنساني كالحفاظ على نقاء هذا العالم من أسلحة الدمار الشامل، والحفاظ على البيئة واحترام حقوق الإنسان ككل لا الإنسان الغربي فحسب.

وأخيرا فإن المفكر العربي مدعو إلى تحديد هدفه وترسيخ قيمه وتحصين إرثه الحضاري وذلك رغم المخالطة اليومية للأفكار الوافدة، لأن له من الموروث الثقافي والروحي ما يجعله يصمد ويحاور ويدلي بدلوه في صياغة فكر إنساني يمتح من شتى الروافد ولكنه يحتفظ في نفس الوقت بخاصية التميز، شأنه في ذلك شأن النحلة التي تستقي رحيقها من شتى الزهور لتنتج عسلها الخاص الذي لا يشبه في لونه ولا في مذاقه أيا من تلك الزهور.

ذ: أحمد الأشهب 

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *