وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين:  وقفة تأمل في مظاهر الرحمة النبوية


هذه وقفة خفيفة، ولمحة طريفة، في ظلال هذه الآية الوارفة، وشربة من معينها الصافي، واقتباسات من أنوارها المشرقة، تتضح بها المحجة للباحث عن الحقيقة، الراغب في سلوك سبيل الحقيقة، فتكون له بها عند الله الحجة، ويسلم من الغرق في اللجة، وقفة تأمل في تجليات رحمة خاتم المرسلين، ورصد لبركتها على الخلق أجمعين.

يقول الله تعالى مخاطبا نبيه الكريم، عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم: وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين فالرسول الكريم ، بعث رحمة للخلق أجمعين، سواء من آمن به وصدقه، أو كفر به وجحد وعانده، يقول مقاتل بن سليمان (ت 150) رحمه الله في تفسيره: “للعالمين” يعني للإنس والجن، فمن تبع محمدا  على دينه فهو له رحمة، ومن لم يتبعه على دينه صرف عنهم  البلاء ما كان بين أظهرهم، فذلك قوله سبحانه: وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم.

ويحكي الطبري خلاف أهل التأويل في الآية هل المراد بها جميع العالم الذي أرسل إليهم محمد ، أريد بها مؤمنهم وكافرهم؟ أم أهل الإيمان خاصة؟ فيروي بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما قوله: «من آمن بالله واليوم الآخر كتب له الرحمة في الدنيا والآخرة، ومن لم يؤمن بالله ورسوله عوفي مما أصاب الأمم من الخسف والذل» فالآية حسب فهم ابن عباس ترجمان القرآن تعم الناس كلهم مؤمنهم وكافرهم، ويذكر الطبري القول الثاني قائلا: وقال آخرون: “بل أريد بها أهل الإيمان دون أهل الكفر”. ثم يبين رأيه في الآية مع بيان وجه الرحمة كما تقدم عند مقاتل، فيقول: “وأولى القولين في ذلك بالصواب: القول الذي روي عن ابن عباس، وهو أن الله أرسل نبيه محمدا  رحمة لجميع العالم، مؤمنهم وكافرهم، فأما مؤمنهم فإن الله هداه به، وأدخله بالإيمان به وبالعمل بما جاء به من عند الله الجنةَ، وأما كافرهم فإنه دفع به عنه عاجل البلاء الذي كان ينزل بالأمم المكذبة رسلها من قلبه”.

ويضيف السمرقندي (ت 373) رحمه الله لفتة أخرى في الآية فيقول: “للعالمين: لجميع الخلق؛ لأن الناس كانوا ثلاثة أصناف، مؤمن وكافر ومنافق، وكان رحمة للمؤمنين حيث هداهم طريق الجنة، ورحمة للمنافقين حيث أمنوا القتل، ورحمة للكافرين بتأخير العذاب” فأضاف قسما ثالثا من أصناف الناس ممن تشملهم الرحمة النبوية، ويدخلون في عموم الآية الكريمة.

وقد استقصى الإمام ابن القيم (ت751) رحمه الله أحوال العالمين في علاقاتهم بالنبي  مبينا وجه الرحمة التي تصيب كل صنف، فقال: “أصح القولين في الآية أنها على عمومها… وأن عموم العالمين حصل لهم النفع برسالته، أما أتباعه فنالوا به كرامة الدنيا والآخرة، وأما أعداؤه المحاربون له؛ فالذين عجل قتلهم؛ موتهم خير لهم لأن حياتهم زيادة لهم في تغليظ العذاب عليهم في الدار الآخرة، وهم قد كتب عليهم الشقاء، فتعجيل موتهم خير من طول أعمارهم في الكفر، وأما المعاهدون له فعاشوا في الدنيا تحت ظله وعهده وذمته، وهم أقل شرا بذلك العهد من المحاربين له، وأما المنافقون فحصل لهم بإظهار الإيمان بالله حقن دمائهم وأموالهم وأهليهم واحترامها، وجريان أحكام المسلمين عليهم في التوارث وغيرها، وأما الأمم النائية فإن الله رفع برسالته العذاب العام عن أهل الأرض، فأصاب كل العالمين النفعُبرسالته”.

ومن خلال هذه الجولة القصيرة في تفسير هذه الآية الكريمة، يتبين بوضوح وجلاء تجليات رحمة النبي الذي بعث رحمة للعالمين، وتزداد مظاهر رحمته وضوحا أكثر من خلال النماذج  التالية من سيرته العطرة:

النموذج الأول: موقفه من أهل مكة عام الفتح.

لا يخفى على أحد كم لاقى النبي  من تكذيب قومه وعنادهم وحصارهم له، حتى أخرجوه من مكة موطنه، وتآمروا على قتله، وشجعوا بالجوائز التحفيزية لمقتفي أثره، واستمروا في حربه لسنوات، وحزبوا ضده الأحزاب، وقتلوا له الأتباع والأصحاب، ومع ذلك فلما مكنه الله منهم يوم الفتح، ووقفوا بين يديه خائفين وجلين ترتعد فرائسهم، وتهتز نفوسهم، فرقا وإشفاقا، رأف بهم، وعفا عن إساءتهم، وقابل الإساءة بالإحسان، والكفر بالامتنان، في مشهد لم ولن يعرف التاريخ له نظيرا، يقول الإمام القاضي عياض (ت 544) رحمه الله واصفا هذا المشهد العظيم: “الحديث عن حلمه  وصبره، وعفوه عند المقدرة أكثر من أن نأتي عليه، وحسبك ما ذكرناه، مما في الصحيح والمصنفات الثابتة، إلى ما بلغ متواترا مبلغ اليقين، من صبره على مقاساة قريش، وأذى الجاهلية، ومصابرة الشدائد الصعبة معهم، إلى أن أظفره الله عليهم وحكمه فيهم وهم لا يشكون في استئصال شأفتهم، وإبادة خضرائهم، فما زاد على أن عفا وصفح: وقال: «ما تقولون أني فاعل بكم»؟ قالوا: خيرا.. أخ كريم، وابن أخ كريم. فقال: «أقول كما قال أخي يوسف: لا تثريب عليكم، اذهبوا فأنتم الطلقاء». فأي رحمة أسمى من هذه؟ وأي نبل أعظم من هذا؟ إنه النبي الكريم الذي قال فيه ربنا سبحانه: لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمومنين رءوف رحيم.

ويرحم الله الشهيد سيد قطب إذ يقول: “وإن البشرية اليوم لفي أشد الحاجات إلى حس هذه الرحمة ونداها، وهي قلقة حائرة شاردة في متاهات المادية، وجحيم الحروب، وجفاف الأرواح والقلوب”.

عبد الصمد احسيسن

 

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *