من معالم المنهج الاجتهادي عند العلامة محمد التاويل (الأخيرة)


فقه الواقع:

وهو ما عرفه الفقهاء قديما وجعلوه مما يلزم المجتهد في استنباط الأحكام والإفتاء في النوازل الفقهية، وهو التفقه في حال الزمان وأهله، أو معرفة أحوال الناس وأعرافهم(1).

هذا العنصر أي الواقعيّة في النظر إلى المسائل الفقهيّة، يستحضره الشيخ رحمه الله لكن دون إفراط ولا تفريط، فلا هو ممن جعله أصل كل شيء، وحكمه في كل شيء وعلى كل شيء، ولا ممن جاء حكمه مجرد رد فعل في مقابلة غلو الطرف الأول فتسرع في الحكم وأقصى فقه الواقع.

وإن كتب الشيخ رحمه الله كلها ما هي إلا إجابة عن الأسئلة التي يفرزها الواقع وتتعالى الأصوات بين من يحاول لي أعناق الشريعة لتلائم الواقع، وبين من يلجأ إلى العنف اللفظي والتكفير دون قيد أو شرط، فتعم الفوضى وتتبادل الاتهامات، ليأتي الشيخ رحمه الله بكثرة  مصادره وتنوعها والنقل المباشر عنها، فيفصح عن الحكم ويبين الحكمة، معتمدا على الأدلة النقلية مستعملا الأدلة العقلية والمنطقية.

ولن نمثل لهذا الموضوع فكتبه رحمه الله أجمعها ما هي إلا كتابات لمحاولة حمل الواقع على الشريعة وخضوعها لها وليس العكس.

البعد الإصلاحي والاجتماعي:

يستحسن التذكير بأن هذه ميزة من مميزات المذهب المالكي الذي يراعي “البعد الاجتماعي والمصلحي في توجهاته وأحكامه بفضل اتخاذه المصالح المرسلة والعادات الحسنة أصلا من أصوله الفقهية، ومصدرا من مصادره التشريعية التي بنى عليها فقهه، وأرسى عليها قواعد مذهبه واستمد منها آراءه وأحكامه…”(2).

والشيخ رحمه الله كان يجسد هذا البعد في اجتهاداته وأحكامه، فكان منهجه بيان ما يحقق للأمة مصالحها الدنيوية والأخروية، مبرزا حِكم الشرع في استنباطاته وآرائه، ملاحظا ما اعتبره الشارع فعلا مصلحة لا ما يراه عموم الناس ولو أدى به الأمر إلى مخالفة جل العلماء المعاصرين.

قال رحمه الله مراعيا البعد الذي أشرنا إليه في مخالفة تحديد سن الزواج للمصلحة العامة ومصلحة الزوجين: “وأما مخالفته للمصلحة ومصلحة الزوجين بصفة خاصة: فإن من مصلحة الذكر والأنثى معا الارتباط بنكاح شرعي والمبادرة إليه، وقاية لهما من الوقوع في المحظور، وحماية للمجتمع من انتشار الفساد السري والعلني، والحد من آثاره السيئة وما يترتب عليه من مشاكل اجتماعية وصحية وإنسانية، تتمثل في جرائم وأمراض ولقطاء… وتحديد سن الزواج ورفعه إلى ثمانية عشر أو عشرين عاما كما تطالب به بعض الجمعيات يخالف هذه المصالح، ويعرض المجتمع إلى سوق للعوانس يبحثن عن الحرام في كل مكان، ويسعين إليه بكل الطرق والوسائل!!.”(3).

وقال في موضوع تعدد الزوجات: “… شرعه الله تعالى رحمة للرجال والنساء والأمة، وتحقيقا لمصالحهم الدينية والدنيوية التي يمكن الإشارة إلى بعضها في النقط التالية:

1 – إتاحة فرصة الزواج في وجوه كثير من الفتيات والأرامل، والإسهام في امتصاص الفائض المهول في تعداد النساء في المجتمعات التي يفوق فيها تعداد النساء عدد الرجال، وهو السبيل الأمثل لإنقاذ ذلك الفائض من العنوسة المؤيسة، والترمل البائس المخلين بأنوثة المرأة وشرفها…

2 – الحد من انتشار الطلاق، والتقليل من أسبابه بإتاحة الفرصة للزوج بتجديد زوجته إذا رغب في ذلك طمعا في الولد أو تعلق قلبه بامرأة أخرى…

3 – إنه وقاية ناجعة من الزنا والفساد وحماية للمجتمع من انتشارهما وما يترتب على ذلك من عواقب وخيمة صحية واجتماعية واقتصادية، فإن التعدد يستجيب لرغبة الرجال الطبيعية التي لا يستطيعون مقاومتها والتحكم فيها،… فإن الزوجة تمر بفترات الحيض والحمل والنفاس والرضاع، وقد تمرض أو تكبر فلا يجد الزوج ما يطفئ شهوته وحاجته إلا الحرام، يؤكد هذا انتشار الفاحشة بشكل مهول كنتيجة لغياب التعدد والاستعاضة عنه بالخليلات وزائرات الفنادق وقناصات الطرق.

4 – المساهمة في تكثير سواد الأمة للمحافظة على قوتها العددية وعمارة الأرض وعبادة الله، وهو هدف من أهداف الإسلام من شرعية النكاح كما جاء في حديث: «تناكحوا تناسلوا فإني مكاثر بكم الأمم»(4)… وهو هدف قد يستخف به البعض… لكنه هدف تسعى كل الأمم إلى تحقيقه…”(5).

وقال رحمه الله في بيان الحكمة من منع المرأة من ولاية النكاح: “وأما منعها من ولاية النكاح فهي صيانة المرأة ودعم لها وحماية لها من الوقوع في خطأ يصعب عليها الخروج منه، فإن المرأة في الإسلام ممنوعة من مخالطة الرجال والاختلاط بهم ومعاشرتهم، سريعة الانجذاب إليهم والاغترار بمديحهم، قليلة الخبرة بهم، والزواج في الإسلام عقد لازم لا يحله إلا الموت أو الطلاق، والمرأة لا حق لها في الطلاق، فإذا أعطيت الحق في الزواج وحرية توليه دون ولي من أوليائها فربما وقعت في خطأ لا مخرج لها منه ولا ينفعها معه ندم، فكان من المصلحة حرمانها من هذه الحرية التي لا تجني منها إلا الحسرة والندم، وإسناد ذلك لوليها لأنه أعرف منها بالرجال وأحوالهم، ولا يألوا جهدا فيحسن الاختيار لها وحمايتها”(6).

هذه بعض النماذج التي تبين حضور البعد الذي أشرنا إليه، وحري بمن يتصدون للكتابات السير على منوال الشيخ رحمه الله، فإن الاطلاع على حكمة الحكم يكون أدعى للقبول والاقتناع به.

خاتمة:

كانت هذه جولة في بعض كتب الشيخ رحمه الله، توصلت من خلالها إلى مجموعة من النتائج أسجلها فيما يلي:

التكاملية في معالجة القضايا الفقهية، فمنهج الشيخ رحمه الله منهج متكامل، فهو من جهة يعتمد على النقل الثابت ويوظفه بمختلف أنواعه ابتداء من النصوص القرآنية والنصوص الحديثية إلى أقوال الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين، وأقوال وترجيحات أعلام المذاهب الفقهية خاصة المذهب المالكي؛ ومن جهة ثانية يوظف العقل والمنطق في مناقشة تلك النصوص معتمدا على اللغة كوسيلة للفهم والإفهام، معملا القواعد الأصولية والفقهية في كل مراحل النظر والتقعيد، مع إشارات إلى مقاصد الشرع في أحكامه وتشريعاته.

إن الشيخ رحمه الله كان وفيا لقواعد وأصول مذهبه (المذهب المالكي) سواء عند الاستنباط واستنطاق النصوص، أو عند الترجيح وتصحيح قول على آخر؛ وإذا خالف أحيانا إماما من الأئمة فإن ذلك بناء على إعمال قواعد وما أوصله إليه اجتهاده بناء على تلك القواعد.

إلمام الشيخ رحمه الله بالفقه الإسلامي عموما أي انفتاحه على المذاهب الفقهية الأخرى، واطلاعه الواسع على مسائل الخلاف فيها مع حفظ للفقه المالكي بفروعه وجزئياته.

اللمسة الواقعية التي سبغت كتب الشيخ، فهو لا يكتب من أجل الكتابة فقط؛ وإنما لمعالجة قضايا اجتماعية راهنة، وللرد على أقلام مأجورة تتصيد الفرصة لتلصق بهذه الشريعة شبهة من الشبه الواهية متى ما وجدت سبيلا إلى ذلك.

حاجة الأمة إلى كتابات من أمثال كتابات الشيخ رحمه الله، تؤصل للحكم وتقنع به من خلال بيان المصالح التي يحققها، وتقترح البديل لكي تخرج الأمة من بعض ما هي غارقة فيه من أنواع المشاكل الاجتماعية والمعاملات التي تتعارض مع ديننا الحنيف.

وأخيرا دعوتي إلى قراءات متكررة لكتب الشيخ رحمه الله، فهي كتب تجيب عن معظم الإشكالات التي تثار بين الحين والآخر.

رحمه الله تعالى على ما أفاد به وأجاد، وجعل ذلك في ميزان حسناته يوم لا ينفع مال ولا بنون.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.

ذ. أناس الكبيري

————-

1 – مفهوم العالمية من الكتاب إلى الربانية للدكتور فريد الأنصاري – رحمه الله – ص 135. مطبعة دار السلام، الطبعة الأولى 2009.

2 – خصائص المذهب المالكي  ص 121.

3 – شذرات الذهب فيما جد في قضايا النكاح والطلاق والنسب تأليف العلامة الدكتور سيدي محمد التاويل ص 15-16، الطبعة الأولى 1431هـ 2010م. منشورات مكتبة السنة – هولندا.

4 – سنن أبي داود للحافظ أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني المتوفى سنة 275 ه‍ 2/172، باب من تزوج الولود، حديث رقم 2050، تحقيق وتعليق سعيد محمد اللحام، طبعة جديدة منقحة ومفهرسة، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع.

5 – شذرات الذهب ص 69 – 71.

6 – لا ذكورية في الفقه ص 61.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *