مفهوم الوجه والوجهة في القرآن الكريم بين الدلالة الحسية والمعنوية


اشتقاق الوجهة التي تتضمن معنى القصد من الوجه، ذلك أن “الوجه يطلق على وجه البدن ووجه النفس، وهو ما تتوجه إليه من المقاصد، ومنه (أسلمت وجهي لله…)” قاله رشيد رضا في تفسير المنار، ثم استدل على أن الوجه يراد به القلب أيضا ، قال: ومن الشواهد على استعمال الوجه بمعنى القلب حديث: «لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم»، وفي رواية: قلوبكم. (رواه أحمد وأصحاب السنن).

قلت: ومن الشواهد على ما قاله أيضا قول إخوة يوسف لبعضهم بعضا: اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم.

وعليه، فالوجهة هي كل ما يستقبله الإنسان بوجهه،أي ببدنه أو بقلبه.

ولقد ورد من مشتقات مادة وجه في القرآن الكريم: الوجه والوجهة، ووردت الوجهة في موضع واحد من القرآن الكريم هو قوله سبحانه: وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(البقرة: 148)، ومن هذا الموضع نستفيد أن الوجهات متعددة، وأن استباق الخيرات محدد لخيرية الوجهة ودليل على كونها الوجهة الأفضل  والأصوب كما قاله بعض المفسرين.

– وورد الوجه بمعنى قريب من الوجهة والمقصد في عدة آيات قرآنية، منه ما اقترن بالله تعالى مثل قوله سبحانه:

– وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ(البقرة: 115).

– وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُون(البقرة: 272).

ومنه ما ارتبط بالإنسان بمعنى وجه النفس كما سبق، أو الوجهة التي عليه أن يقصدها، وورد هنا بمعنيين متقابلين:

الأول: ورد فيه مرتبطا بالإكباب والانقلاب وصفا لمن يزيغ عن المقصد، من ذلك قوله سبحانه:

– أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ . قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ(الملك:22-23).

-وقوله : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ(الحج: 11).

والثاني: وهو الوجهة السليمة التي على الإنسان قصدها، وفيه اقترنت استعمالات الوجه بالتوجه والإقامة والإسلام، فجاءت بلفظ: توجيه الوجه، وإقامة الوجه، وإسلام الوجه، وتفصيل ذلك في ما يلي:

توجيه الوجه في قوله :

– فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي إلى قوله: إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ(الأنعام: 77-79).

إقامة الوجه في قوله تعالى:

– قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ(الأعراف: 29).

– وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ(يونس: 105).

– أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُون(الروم: 29-30).

– ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ(الروم: 41-44).

إسلام الوجه في قوله تعالى:

– أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ(لقمان: 20-22).

– وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ(البقرة: 111-112).

– وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا(النساء: 124-126).

– إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ(آل عمران: 19-20).

إذا حاولنا ترتيب الاستعمال بحسب النزول سنحصل على النتيجة الموالية:

– وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُون(الأعراف: 29).

– وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ(يونس: 105).

– إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ(الأنعام: 79).

– وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ(لقمان: 22).

– فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ(الروم: 30).

– فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ(الروم: 43-44).

– بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُون(البقرة: 112).

– فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ(آل عمران: 20).

– وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا(النساء: 129).

يلاحظ أن هناك تدرجا في ضمائم الوجهة ومحدداتها، بمعنى آخر، هناك تدرج في معاني المصطلحات المرتبطة بالوجهة، ففي القرآن المكي، باستثناء آية سورة لقمان، كان الحديث عن إقامة الوجه بارزا، أما توجيه الوجه إلى الله، فقد ورد حكاية عن إبراهيم ، وهو قوله: إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ(الأنعام: 79).

فهو أسبق زمنيا من إقامة الوجه، وهو يختص بالعقيدة؛ لأن الأمر يتعلق ببحث إبراهيم عن الخالق للكون، ثم بعد رحلة البحث تلك ومعاناته في سبيل الوصول إلى الحقيقة، عزم على توجيه وجهه للذي فطره، فالأمر لا يتعدى جانب العقيدة في بداياتها الأولى المتمثلة في معرفة الخالق سبحانه.

أما في الآيات التالية، فقد جاء الأمر بإقامة الوجه للدين، وهو وإن كان مختصا بالعقيدة، فقد تضمن معنى العبادة مع إضافة شرط التوحيد، بدليل مقابلته للشرك مع وصف “الحنيف” الدال على الاستقامة على طريق التوحيد والميل عن الشرك في مثل قوله سبحانه: وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ(يونس: 105).

أما القرآن المدني فقد وردت فيه صيغة (إسلام الوجه) مع  إضافة لفظ الإحسان في موضعين من بين ثلاثة، ونفس الصيغة وردت في القرآن المكي في موضع واحد هو الآية 22 من سورة لقمان، مع تسجيل الاختلاف الوارد في تعدية الإسلام بإلى على خلاف تعديته في جميع القرآن المدني باللام، وها هنا نكتة لطيفة تتمثل في أن الأمر في القرآن المكي كان يتعلق بالدعوة إلى التعرف على بداية الطريق الموصل إلى الحق، بينما في القرآن المدني أصبحت الدعوة متعلقة بسلوك هذا الطريق إلى نهايته مع الإحسان فيه، يدل على ذلك ما قاله الدارسون عن الفرق بين التعدية ب(إلى) والتعدية باللام، مثل قول الرازي إن “أسلم لله أعلى درجة ممن يسلم إلى الله؛ لأن إلى للغاية واللام للاختصاص، يقول القائل أسلمت وجهي إليك أي توجهت نحوك، وينبئ هذا عن عدم الوصول؛ لأن التوجه إلى الشيء قبل الوصول، وقوله أسلمت وجهي لك يفيد الاختصاص ولا ينبئ عن الغاية التي تدل على المسافة وقطعها للوصول”.

أما عن معنى الإحسان فقد قال المفسرون إنه العمل الصالح، وبذلك ينتقل الأمر في القرآن المدني من العقيدة إلى العقيدة والشريعة مع الإحسان الذي هو أعلى المقامات التي يمكن أن يصل إليها المؤمن في طريق رجوعه إلى ربه، هذا الإحسان الذي هو موضوع الابتلاء وعليه مدار الفوز أو الخسران، ولأجل تمحيصه خلق الله الموت والحياة، وهذا ما يفسره قوله تعالى: الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا(الملك: 2).

وللإحسان مفهوم شامل لكل حركة الإنسان في الكون، وهو حسب التعريف النبوي، أن يتحرك الإنسان في الكون تحت إحساس بالرقابة الإلهية، تلك الرقابة التي دربه الله على استشعارها، بشكل مباشر في قصة بداية الخلق، الواردة في آيات القرآن الكريم، عندما خلق الله آدم فأمره بأشياء ونهاه عن أخرى، وعلمه كيف يجب عليه امتثال التعاليم والوقوف عند الحدود من خلال ذلك النموذج الذي من المفروض أن يُرَسخ عند الإنسان الغاية من خلقه، المتمثلة في عبادة الله بمفهوم العبادة الشامل، فدربه على استحضار الله تعالى في كل حركاته وسكناته، وهذا هو معنى الإحسان المطلوب، فالله تعالى هناك في الجنة كان يتولى الأمر والنهي والثواب والعقاب في كل اللحظة بعد اللحظة دون تأخير، بشكل يحيل على حقيقة الحساب التي يجب استحضارها في حياة المؤمن، كما يحيل على علاقة الإنسان السليمة بالكون، وعلى القصد الذي ينبغي أن يكون له من وراء تفاعله مع الكون في إطار علاقته بالعبادة التي تربطه برب الكون. هذه المعاني كلها يمكن ملاحظتها من خلال مجمل آيات ورود الوجهة، من ذلك أنها تربط الإنسان بالفطرة، وأنها تذكره بقصته مع الغواية، وبنعم الله التي سخرها له، وفي كل ذلك تأكيد على محددات الوجهة السليمة ودرجات الطريق الموصل إليها، بما يتيح له رجوعه بسلام إلى الجنة التي بدأت منها رحلته في هذا الكون. والله تعالى أعلم وأحكم.

دة. كلثومة دخوش

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *