مع كتاب الله عز وجل – تفسير ميَسَّر لِسورة الحجرات 2/2


في الحلقة السابقة تناول الأستاذ الدكتور عبد العالي احجيج، التعريف بالسورةمن حيث اسمها وموضوعاتها الكبرى، وأسباب نزولها، كما تناول معناها الإجمالي. ويواصل في هذه الحلقة تتمة بيان هذه المعاني الإجمالية لينتهي إلى أقسام السورة ومقاطعها مركزا على توجيهاتها الكبرى ومقاصدها العامة.

 

5 – يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْاَلْقَابِ بِيسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْاِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ(الحجرات: 11) يخاطب  عباده المؤمنين مرة رابعة ليرشدهم إلى ما يحقق أخوتهم ويجمع كلمتهم ويدفع عنهم أسباب الفرقة والخلاف والنزاع، فينهاهم عن أن يسخر بعضهم من بعض رجالا ونساء، وعن أن يلمز بعضهم بعضا، وعن أن يتنابزوا  بالألقاب السيئة فيما بينهم، وينفرهم من هذه الأعمال الذميمة التي تجعل مرتكبها يسمى بالفاسق وهو اسم مذموم ما أقبحه، بعد أن كان يسمى بالمؤمن الذي هو اسم شرف  حامله وكرمه ورضي عنه. وبعد أن عرفهم  بهذه الذنوب وأبان عن كراهيته لها دعاهم إلى التوبة منها والإقلاع عنها؛ لأن من استمر في فعلها بعد أن نهى  عنها فإنه يكون ظالما لغيره وظالما لنفسه؛ لأنه عرضها لعقاب  بارتكاب هذه المناهي.

6 – يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمُ أَنْ يَاكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ(الحجرات: 12) يخاطب المؤمنين مرة خامسة فيتابع إرشاده لهم بما يحقق مصلحتهم العامة بالوحدة والإخاء فيأمرهم بأن يتركوا الظن السيئ بإخوانهم المؤمنين، وأن يحسنوا الظن بهم؛ لأن بعض الظن إثم يحاسب  عليه. وسوء الظن مدعاة إلى التحقير والسخرية، واللمز مدعاة إلى امتلاء القلوب حقدا وكراهية، وعنه يتولد التجسس؛ لأن القلب لا يقنع بسوء الظن فيدفع صاحبه إلى التحقق فيشتغل بالتجسس، ولذلك نهى  عن تلمس عيوب المؤمنين عن طريق مراقبتهم واستطلاع أخبارهم دون شعور منهم. وعن التجسس ينشأ الاغتياب وهو ذكر المسلم في غيبته بما يسوؤه وبما يكره أن يقال له في محضره بفضح أسراره وعيوبه وإظهار مساوئه للناس. وحتى يقتنع المخاطبون بقبح الاغتياب وبشاعته أتبع  سبحانه النهي عنه بتمثيل الغيبة بأكل لحم الأخ الميت؛ لأن الميت لا يعلم ولا يحس بأكل لحمه، كما أن الحي الغائب لا يعلم بغيبة من اغتابه، وكلاهما لا يستطيع الدفاع عن نفسه. ثم بعد أن عرض هذا المشهد البشع المنفر من الغيبة بادر فأعلن أنهم كرهوا أكل لحم الأخ الميت فكرهتموه. ولذلك ينبغي أن يكرهوا بالتبع الاغتياب. ويدعو  عقب ذلك عباده المؤمنين إلى أن يتقوا عقابه بانتهائهم عما نهاهم عنه من الظن السيئ والتجسس والاغتياب، وأن يتوبوا عما صدر منهم لأن  يقبل توبة التائبين الصادقين لأنه تواب رحيم.

7 – يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِير (الحجرات: 13) بعد أن نهى سبحانه عن تلك الأفعال الذميمة التي ينشأ عنها احتقار الناس واستضعافهم والحط من قيمتهم؛ خاطب الناس مذكرا إياهم بأصلهم المشترك وبتساويهم في البشرية وبأنهم ليسوا جميعا سوى نتاج لآدم وحواء، أو لرجل وامرأة. خلقهم جميعا وجعلهم شعوبا وقبائل ليتعارفوا ويتميز بعضهم من بعض وليعرف بعضهم بعضا، أو خلقهم ليتعارفوا فيما بينهم ويقيموا العلاقات ويتعاونوا على تعمير الأرض التي استخلفهم  فيها، لا ليتفرقوا ويتنازعوا ويختلفوا فيما بينهم أو ليسيء بعضهم إلى بعض عن طريق السخرية أو اللمز أو التجسس أو الاغتياب..

ثم يبين الله للناس الأساس العادل الذي وضع لتفضيل الناس بعضهم على بعض. فالناس سواسية لا تفاضل ولا تميز إلا على أساس العمل القائم على التقوى. فالكريم عند الله هو الأتقى، و هو الذي يعلم درجة العبد من التقوى، فهو الذي يزن العباد وأعمالهم عن علم وخبرة.

8 – قَالَتِ الاَعْرَابُ ءامَنَّا قُلْ لَمْ تُومِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الاِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنَ اَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ إِنَّمَا الْمُومِنُونَ الَّذِينَ ءامَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ(الحجرات: 14-15) لما كان ما مر من الآيات يخاطب المؤمنين ويرشدهم إلى مكارم الأخلاق ليكتمل إيمانهم، وكانت الآية السابقة قد قررت أن التقوى هي أساس تكريم الفرد، وعلاقة التقوى بالإيمان علاقة وثيقة، تنقلنا السورة لتبين لنا حقيقة الإيمان وقيمته من خلال ما ادعاه بعض الأعراب من أنهم آمنوا، ولكن القرآن يكشف حقيقة ما في نفوسهم ويخبرهم بأنهم لم يؤمنوا بعد وإنما هم قد أسلموا؛ أي أظهروا الطاعة والخضوع والانقياد للرسول ، فقد أسلموا أمرهم إليه ولكن هذا الانقياد ليس نابعا من القلب وليس ناتجا عن إخلاص وصدق؛ وإنما هو انقياد ظاهري فارغ من الروح والعاطفة، لذلك فالإيمان ما زال لم يدخل إلى قلوبهم. ثم بعد أن أظهر لهم حقيقة ما في نفوسهم دفعهم إلى الإيمان الحقيقي ورغبهم أن يطيعوا  حق الطاعة، فإن فعلوا ذلك فإن الله لن يحاسبهم عما سلف منهم فلا ينقصهم من أجور أعمالهم شيئا؛ لأن  سبحانه غفور لذنوب التائبين إليه رحيم بمن أناب إليه. والإيمان الحقيقي الكامل الذي تبين أن محله القلب إنما تتمثل صورته الكاملة وتنسجم في أولئك الذين تعلقت قلوبهم ب ورسوله عن صدق ومحبة لا يتطرق الشك والارتياب إلى قلوبهم، فهم ثابتون عليه متيقنون من صحة عقيدتهم وطهارتها وصفائها، قد ذاقت قلوبهم حلاوة الإيمان واطمأنت نفوسهم… واندفعوا بعد ذلك إلى نشر الإيمان وتبليغه للناس لتكثير المؤمنين في الأرض ولتطهيرها من رجس الشرك والعبودية لغير ، لذلك يخرجون إلى الجهاد في سبيل  باذلين أموالهم ومضحين بأنفسهم في سبيل . إن هؤلاء هم الصادقون في إيمانهم لظهور أثر الصدق على جوارحهم.

9 – قُلَ اَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْاَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنَ اَسْلَمُوا قُل لَّا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمُ أَنْ هَدَاكُمْ لِلاِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِين (الحجرات: 16-17) يأمر  رسوله  بأن يزجر أولئك الذين يتطاولون على  سبحانه، وقد أخبر بحقيقة ما في ضمائرهم وبواطنهم يريدون أن يخبروا بما في نفوسهم على خلاف ما أخبر  عنها فيدعون الإيمان وقد نفاه  عنهم. وما أخبر  به هو عين الحق؛ لأن  يعلم ما يجري في هذا الكون كله في سمائه وأرضه، لا تخفى عليه خافية، محيط بكل شيء عليم به، فكيف تخفى أحوالهم الظاهرة أو الباطنة عنه سبحانه. ثم يطلب من الرسول  أن يرد على الذين امتنوا(1) عليه بإسلامهم بأن  هو الذي يمتن عليهم بالإيمان إن كانوا صادقين فيه؛ لأن الفضل يعود لله في إيمان العباد. هو الذي بعث بالرسول  ليهديهم إلى طريق الإيمان.

10 – إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْاَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ(الحجرات: 18) تنتهي هذه السورة الكريمة بتأكيد أن علم  لا ينحصر في ظواهر الأشياء، ولكنه يعلم أيضا ما خفي منها وما غاب عن الأنظار، ولذلك فهو يعلم الصادق من الكاذب، والمؤمن من المنافق، وليس في حاجة إلى من يخبره عما في الضمائر والقلوب؛ لأنه يعلم السر وأخفى، ويجازي كل إنسان بحسب عمله.

أقسام السورة:

يمكن تقسيم السورة بحسب ما نلحظه في مضمونها وأسلوبها إلى قسمين كبيرين:

القسم الأول:ويضم الآيات الاثنتي عشرة الأولى التي يتوجه  فيها بالخطاب إلى عباده المؤمنين ينهاهم فيها أو يأمرهم.

القسم الثاني:ويشتمل على خمس آيات هي (14-15-16-17-18) كلها تبين حقيقة الإيمان.

وتتوسط القسمين آية واحدة هي الآية الثالثة عشرة يوجه  الخطاب فيها إلى الناس جميعا، وهي ترتبط بالقسم الأول الذي يتحدث إلى المؤمنين، وبالقسم الثاني الذي يتحدث عن الأعراب الذين لم يدخل الإيمان بعد إلى قلوبهم.

فإذا عدنا إلى القسم الأول نجد أن  قد نادى فيه المؤمنين خمس مرات، ونستطيع أن نضع له تقسيما بناء على هذه النداءات فتكون المقاطع خمسة:

المقطع الأول:ويشتمل على الآية الأولى، يدعو إلى التأدب مع  أساسا ومع رسوله .

المقطع الثاني:ويشتمل على أربع آيات (2-3-4-5) يأمر بالتأدب مع الرسول .

المقطع الثالث:ويشتمل على خمس آيات (6-7-8-9-10). ويتضمن الدعوة إلى التأدب مع المؤمنين بالسعي إلى الخير والإصلاح بينهم، ونلحظ أن الرسول  هو الحبل المتين الرابط بين المقطع الأول والثاني، والرابط أيضا بين الثالث والثاني مضمونيا وتعبيريا.

المقطع الرابع:ويشتمل على آية واحدة (11) تدعو إلى التأدب مع المؤمنين في حالة حضورهم.

المقطع الخامس:ويشتمل على آية واحدة (12) تدعو إلى التأدب مع المؤمنين في حالة غيابهم.

أما القسم الثاني: فإنه يعود في إطاره العام ليرتبط بالقسم الأول في كونه يبين للمنادين بـيا أيها الذين ءامنوا حقيقة الإيمان الذي يلزمهم أن يصلوا إلى مستواه حتى يتلافوا ما في إيمانهم من نقص جرهم إلى ارتكاب بعض الذنوب التي نهاهم  عنها.

وعموما نلحظ أن الآية الأولى من السورة تنشر ظلالها على جو السورة كلها وتمسك بأطرافها. فيا أيها الذين ءامنوا مبثوثة داخل السورة، والإيمان محور موضوعها. وحضور  سبحانه بإرشاده للمؤمنين وبذكر بعض أسمائه الحسنى ظاهر في السورة، والرسول  حاضر خلالها بوصفه أو بضمير يعود عليه. والتقوى تتوزع بشكل ملموس في ثناياها بصيغ متعددة (اتقوا-التقوى – أتقاكم) دليلا على  قيام التقوى على الإيمان. وصفة عليم تتجاوب أصداؤها في رحاب السورة التي تبدأ بالإشارة إلى حضور  سبحانه وتنتهي بالتذكير بعلمه الشامل.

أ. د. عبد العالي احجيج

————-

1 – المن: الاعتداد بعطاء أو بأي فضل يحسبه المان المتفضل على الممنون عليه، وينتج عنه غالبا أن يحس الممنون عليه بكدر نفسي.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *