مجرد  رأي ـ فراسة علماء المسلمين  


…للعلماء مكانة عظيمة ودرجة رفيعة في ديننا الحنيف ويكفيهم فخرا أن الله تعالى مجدهم وأعلى من شأنهم في كتابه العزير وجعلهم أكثر الناس خشية له سبحانه وتعالى إنما يخشى الله من عباده العلماء وهو نفس المعنى الذي قصده أحد الصالحين من السلف رضي الله عنهم أجمعين في قوله من كان لله أعرف كان لله أخوف. وكلما ازداد العالم قربا من الله كلما ازداد علما وتوهجا و تبصرا و فراسة واتقوا الله ويعلمكم الله. وكلما تقرب العالم من الله، كلما قربه الله منه ورقاه في درجات الإيمان الى الإحسان حتى إنه يصبح عابدا لله كأنه يراه …فيستنير عقله و جميع حواسه بنور الله… ولعل ذلك احد معاني الحديث الصحيح الذي يقول فيه رسول الله : «اتقوا فراسة المؤمن فإنه يرى بنور الله»…

وأما الامثلة عن هؤلاء العلماء الذين نور الله بصائرهم وفتح عليهم من فيض نعمه وعلمه الواسع، فأكثر من أن تحصى أو تحد… فيكفي ذكر بعضها لضيق مساحة المقال.

1 – الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: وهبه الله ذاكرة قوية وقدرة على الحفظ عظيمة حتى أنه كان ينظر للصفحة من الكتاب لبضع ثوانٍ فتنطبع في ذاكرته فيحفظها كلها، وهكذا حتى يتم حفظ الكتاب كله… وكان مع هذا يرى رسول الله في منامه كثيرا … فمرت به فترة من الزمن لم يتمكن من الحفظ كعادته ولم يعد يرى رسول الله في منامه، فحزن لذلك حزنا شديدا فذهب إلى شيخه وكيع يشكو له ما ألم به، فيصف الامام الشافعي ذاك شعرا فيقول:

شكوت لوكيع سوء حفظي

فأشار علي بترك المعاصي

و أخبرني بأن علم الله نور

ونور الله لا يعطى لعاصي

2 – الإمام البخاري رحمه الله تعالى: ذهب إلى بغداد فعقد له علماؤها ومحدثوها امتحانا في غاية الصعوبة والتعقيد في إطار ما كان يعرف ب(امتحان المحدث) لاختبار سلامة حفظه وضبطه لحديث رسول الله … فجاؤوا له بعشر من أمهر المحدثين، كل واحد منهم يقوم فيروي عشرة أحاديث مقلوبة السند والمتن وهكذا حتى قاموا جميعا… كل ذلك والإمام البخاري يجيب بنفس الجواب عند كل حديث لا أعرفه… حتى أخذ بعض العوام من الحاضرين يتندر ويسخر من (جهل) الإمام وهو الذي ملأت شهرته في الحديث كل الآفاق… أما المحدثون والعلماء فقالوا: فطن الرجل… فلما فرغ جميع المحدثون من رواية ما معهم من أحاديث مقلوبة السند و المتن، قام الإمام البخاري فأخذ يروي جميع الأحاديث التي رويت كما رويت مقلوبة ثم يصححها بعد ذلك بربط السند بمتنه الصحيح وهكذا حتى أتم رواية المئة حديث كلها… لم يكن الإمام البخاري يحفظ الصواب فقط وإنما كان يحفظ حتى الخطأ أيضا، فكان رحمه الله تعالى يعيد عليهم الأسانيد الخاطئة كما رووها ثم يصححها ويلحقها بمتونها الصحيحة… فما غادر مجلسه حتى اعترف له جميع علماء ومحدثي بغداد بغزارة علمه وضبطه الدقيق في رواية حديث رسول الله .

(يتبع)

ذ: عبد القادر لوكيلي

اترك تعليقا :

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *