تجليات مفهوم المسئولية والمحاسبة في الخطاب النبوي (2)


عن ابن عمر  عن النبي  قال: «كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، والأمير راع، والرجل راع على أهل بيته، والمرأة راعية على بيت زوجها وولده، فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته». (صحيح البخاري).

يبين الحديث تصور النبي  لمفهوم المسئولية والمحاسبة، التي تلهج بها كل الألسن في مختلف المناسبات؛ الثقافية، والسياسية، والإعلامية، دون أن يجد هذا اللغط صداه في واقعنا اليومي، إذ معظم الناس متذمرون من سوء تسيير مرافقهم العامة، مما يدفعنا إلى البحث عن سبب توجع المواطن المسلم من مؤسساته العمومية، والكشف عن البدائل الشرعية التي فعلت ربط المسئولية بالمحاسبة، مما يجعل الاعتماد عليها حلا عمليا لمعضلات الفساد الإداري في المجتمعات الإسلامية.

التأهيل المعرفي للفرد الراعي:

إن التأهيل التربوي كما سبق بيانه لا يؤتي أكله إلا إذا صاحبه تأهيل معرفي للفرد الراعي؛ إذ بهما يكتمل بناء النظام المؤسساتي للدولة الإسلامية، ويدل على ضرورة هذا المرتكز النصوص الشرعية العامة التي نصت على مدح العلم، وذم الجهل، وجعلت التمايز بين الحسن والقبيح قائما على الترقي في سلم العلم النافع الذي يربط الراعي بخالقه، ويمكنه من الوقوف عند حدوده، قال تعالى: قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون (الزمر: 9).

فلا يعقل أن يكون هذا الاهتمام الكبير بالعلم في الإسلام مقصودا لذاته، بل غايته تحقيق العبودية لله في التعبد، وفي العمل؛ لهذا كان  يقول: «اللّهمّ انفعني بما علّمتني، وعلّمني ما ينفعني، وزدني علما..» (سنن الترمذي).

إن أول المخاطبين بالتأهيل المعرفي هو الراعي الذي يتحمل أمانة الأمة، وواجب عليه أن يسعى إلى توظيف ما تعلمه من معارف ومهارات في خدمة مصالح الناس، وهذا لا يحصل بالشهادات العلمية التي تمكن من الولوج إلى العمل فقط، فتوظيف هذا العلم في تنمية المرافق العامة وتطويرها هو المقصود أصالة، وغير ذلك هو تبع له. ونتيجة غياب هذا القصد الأصلي؛ أننا ما زلنا نعاني من رداءة خدمات المرافق العامة وضعفها، ومن الأسباب العملية التي ساهمت في تفاقم هذا الوضع ما يلي:

الأول: ربط التأهيل المعرفي بالحصول على الوظيفة فقط، ثم يتحول الراعي إلى جاهل بالنوع؛ يحسن فقط القراءة والكتابة، ويحفظ بعض المعلومات التي تمكنه من أداء عمله مثل آلة مبرمجة، فلا ينتج أفكارا، ولا يبتكر أسلوبا، وقد حارب النبي  هذ الوضع بقوله: «منهومان لا يشبعان: منهوم في علم لا يشبع…» (المستدرك، للحاكم). لأن التكوين العلمي للراعي يمكنه من خدمة المواطنين ومساعدتهم على حل مشاكلهم، وإرشادهم إلى ما فيه صلاحهم، قال : «من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة،… والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه» (صحيح مسلم).

الثاني: مرتبط بنظام الوظائف العامة الذي لا ينزل أصحاب الكفاءات العلمية منزلتهم؛ وذلك إما:

– بتشغيلهم في مجالات لا صلة لها بتكوينهم الدراسي؛ فيثبط ذلك من عزيمتهم، ويضعف مردودية المرافق العامة، وهذا انحراف عن قوله تعالى: قال اجعلني على خزائن الارض إني حفيظ عليم (يوسف: 55)، وعن منهج النبي  حيث كان يختار من أصحابه ذوي المهارات القتالية والتخطيط الحربي لقيادة الجيش، وأهل الخطابة والفصاحة للدفاع عن الدعوة، وأهل العلم لتبليغها، ويذكرهم بخوف الله، ويختبرهم كما قال لمعاذ بن جبل، لما أراد أن يبعثه إلى اليمن: «كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟» ويعمل برأي أهل الخبرة؛ حيث أمر بحفر الخندق في معركة الأحزاب تفعيلا لاقتراح سلمان الفارسي.

– بتعيين جهلة يديرون أمور الناس بغير علم، فَيَضِلُّون في تدبير مصالحهم، ويُضِلون غيرَهم بسوء أخلاقهم وقلة علمهم، فهم قدوة السوء يسعون في خراب المجتمع وإفساده؛ فيعتقد أصحاب الكفاءات أن العلم لا تأثير له، وإنما الأمر موكول إلى الرشوة والمحسوبية، فيركنون إلى الكسل والخمول، إلى أن يجدوا طريقا غير مشروع للظفر بوظيفة يتخذونها وكرا لإشاعة الفساد، وقد اعتبر النبي  ذلك أمارة على فساد حال الأمة حيث قال: «إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة»، قال: وكيف إضاعتها؟ قال: «إذا وسد الأمر لغير أهله، فانتظر الساعة» (صحيح البخاري).

ومن أجل القيام بالمسئولية على أكملها، حارب الإسلام المحسوبية والرشوة في التوظيف؛ فقال : «من ولي من أمر المسلمين شيئا فأمر عليهم أحدا محاباة، فعليه لعنة الله، لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا حتى يدخله جهنم» (المستدرك للحاكم).

فالتأهيل المعرفي ركن أساس لتطوير المصالح العامة للمسلمين، كما يجنبنا استيراد الأنظمة والتجهيزات الإدارية من الغرب؛ لأن ذلك يهدد وجود المسلمين واستقلالهم من زاويتين:

الأولى: يجعلنا أمة تعتمد على ما تنتجه الأمم الغربية للاستفادة منه والعمل به؛ وقد حث الإسلام على الاجتهاد والتجديد، وجعل المجتهد مأجورا على اجتهاده وإن أخطأ؛ تشجيعا للبحث العلمي، وتثمينا للابتكار والإبداع الفردي.

الثانية: يجعلنا أمة غير محصنة إداريا؛ بحيث يمكن اختراق أنظمتها ومعرفة أسرارها بكل سهولة ويسر؛ ما دامت تعتمد على أجهزة تم تصنيعها من طرف أناس لا ثقة فيهم لعدم ارتباطهم بالله عقيدة وسلوكا، قال تعالى: {لا يتخذ المومنون الكافرين أولياء من دون المومنين} (آل عمران: 28).

ثالثا: الإجراءات العملية لربط المسئولية بالمحاسبة:

اعتمد الإسلام تدابير عملية قادرة على إصلاح وتحسين خدمات المرافق العامة إذا ما تم تفعيلها على أحسن وجه، ومنها:

1 – الرقابة الذاتية للراعي:

وهي إجراء وقائي يعتمد على عقيدة المسلم وإيمانه الصادق، قال تعالى: إن اللَّهَ كان عليكم رقيبً (النساء،1). وقال تعالى: والله على كل شيء شهيد (البروج: 9).

إن التفريط في العمل بأي وجه كان هو أكل للسحت، واعتداء على أموال المسلمين وحقوقهم، قال : «من استعملناه منكم على عمل، فكتمنا مخيطا، فما فوقه كان غلولا يأتي به يوم القيامة» (صحيح مسلم). بل إن ما يأخذه الراعي من هدايا بسبب واجب قام به يعد خيانة للأمانة، قال : «هدايا العمال غلول» (مسند أحمد).

إن كثيرا من المسئولين يحاولون تبرير تقصيرهم  في الواجب، أو اعتدائهم على مصالح الناس بحجج واهية تعتمد الخدع والتزوير، ولن تنفعهم حججهم تلك مع الله الذي يعلم ما في الصدور، فالحلال بين، والحرام بين، وليتق المسلم الشبهات، قال : «البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس» (صحيح مسلم).

2 – الرقابة الخارجية على الراعي:

هذه الرقابة ترتبط بتفعيل الأحكام الزجرية التي شرعها الله تعالى لمحاربة الفساد، وخيانة الأمانة، وهي نوعان:

– رقابة القيادة:

يقوم بها القائد العام حسب التدرج في سلم الوظيفة، مصداقا لقوله : «والأمير راع، والرجل راع على أهل بيته، والمرأة راعية على بيت زوجها وولده، فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته» (صحيح البخاري). وكان  يراقب عماله رغم أنهم أشد الناس خوفا من الله تعالى، والحكمة من ذلك تربية الصحابة على محاسبة كل من يتقلد أمور المسلمين مهما علا شأنه وعظم أمره، فقد استعمل  رجلاً من الأزد على الصدقة، فلما قدم قال: هذا لكم وهذا أهدي لي، قال: «فهلا جلس في بيت أبيه أو بيت أمه، فينظر يهدى له أم لا؟ والذي نفسي بيده لا يأخذ أحد منه شيئا إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته، إن كان بعيرا له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تَيْعَر» (صحيح البخاري). فالنبي  بهذا الحديث فضح كل الأساليب غير الشرعية التي يتوصل بها الراعي لأكل المال العام بغير حق، وبين مصيره يوم القيامة، كما دل الحديث على وجوب انتزاعه من آخذه وصرفه في مصالح عموم المسلمين.

– رقابة الحسبة:

هي ولاية شرعية قائمة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ وهي خاصة ذات طابع رسمي يكلف بها أهل العلم والعدل، لمراقبة أحوال الناس ومصالحهم، والأصل فيها قوله تعالى: ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر (آل عمران: 104). وقوله : «من رأى منكم منكرا فليغيره..» (صحيح مسلم).

وهي بهذا المفهوم تضمن للمجتمع كرامته، وتحميه من مظاهر الفساد والانحلال وفق ضوابط شرعية، تمنع المحتسب من التدخل في الحريات الفردية للناس بمفهومها الشرعي؛ كالتجسس عليهم، وتتبع عوراتهم، وتركز على المنكر الظاهر المتفق على كونه منكرا يخالف شرع الله، وينتهك حقوق الناس؛ لأن زجر المفسد ومحاربة المجرم دليل على حياة الأمة ووجودها، والسكوت عن الفساد والتشجيع عليه علامة على هلاكها وتخلفها.

وقد فعّل النبي  نظام الحسبة بنفسه قولًا وعملًا؛ فقد مر على صبرة طعامٍ، فأدخل يده فيها، فنالت أصابعه بللًا، فقال: «ما هذا يا صاحب الطعام؟» قال: أصابته السماء يا رسول الله! قال: «أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس، من غش فليس مني» (صحيح مسلم).

وهناك الحسبة التطوعية التي يمارسها عامة المسلمين، مصداقا لقوله : «إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقابه» (مسند أحمد). إن ممارسة العامة للحسبة؛ يتم عن طريق التبليغ بأهل الفساد للسلطات المختصة لمحاسبتهم وردعهم وفق قواعد الشرع، وهذه مهمة وسائل الإعلام الصادقة مع الله، وهيئات المجتمع المدني، وأئمة المساجد، والخطباء، والوعاظ، وغيرهم من أهل التقوى والصلاح، فالنصح واجب على المسلمين إلى قيام الساعة.

ذ. محمد البخاري

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *