تأملات لسانية في التركيب القرآني


تمهيد:

النص القرآني نص لغوي منسوج من جنس لسان العرب، وهو معجز بكل المقاييس؛ يراه الأديبُ معجزاً، ويراه اللغوي معجزاً، ويراه أرباب القانون والتشريع معجزاً، ويراه علماء الاقتصاد معجزاً، ويراه المربون معجزاً، ويراه علماء النفس معجزاً، ويراه علماء الاجتماع معجزاً، ويراه المصلحون معجزاً، ويراه كل راسخ في علمه معجزا، وسيبقى النص القرآني أرقى نص لغوي عرفته البشرية، أعجز العرب والإنسانية جمعاء عن الإتيان بمثله بدليل قوله تعالى: قل لئن اجتمعت الانس والجن على أن ياتوا بمثل هذا القرآن لا ياتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا(الإسراء: 88). من هنا سحر القرآن العرب بكماله وبهرهم بروعته وحسن بيانه وتركيبه؛ لأنه أحدث هزة عنيفة في العبقرية العربية (1).

كيف يمكن استثمار اللسانيات، إذن، في إظهار الإتقان في تركيب القرآن، وكيف يمكن أن تمكننا من الوقوف على بعض ملامح الإتقان وتجلياته في التركيب القرآني.

يسعى هذا المقال إذن إلى استنباط بعض خصائص التركيب القرآني واكتشاف أسراره وتحديد مواطن جمالياته ومظاهر الإتقان فيه، وتعميق النظر في بعض جمله وتراكيبه من خلال استثمار ما يناسب من الآليات والأدوات اللسانية واقتراح نماذج تحليلية.

1 – إسهام ا للسانيات في تفسير الخطاب القرآني:

إن اللسانيات دراسة علمية تهدف إلى وصْف وتحليل اللغات الطبيعية من حيث بنْياتها الصوتية والصرفية والتركيبية والدلالية والتداولية.

وقد شهد الحقل اللساني في العالم العربي تطورا كبيرا على المستوى النظري والتطبيقي، حيث عرف البحث اللساني العربي تقدما ملموسا تميز فيه اللسانيون العرب بتجديد آلياته، وتعميق النظر في الظواهر، واقتراح نماذج تحليلية مكنت من تقديم معالجة جديدة، أنيقة وفعالة لقضايا لغوية متنوعة شملت الصرف والصواتة والتركيب والدلالة مما مكن من مراجعة بعض قضايا النحو التقليدي العربي لفائدة تصور لغوي جديد تدعمه نظريات لسانية عربية متكاملة.

أما عن اللسانيات في علاقتها بالنص القرآني، فالصواب أن القرآن الكريم هو أصل للمعرفة؛ لأنه معرفة أولى لا تنقضي عجائبه، والصواب أيضا أن يكون القرآن أصلا للسانيات تستوحي من حوضه الفياض؛ خاصة إذا علمنا أن النص القرآني يختلف كثيرا عن كلام البشر.

وعموما يمكن أن نشير إلى بعض القضايا التي يمكن أن تساهم بها اللسانيات في علاقتها بالقرآن، وسنركز الحديث عن اللسانيات التوليدية (2).

– إن اللسانيات تمكننا من معرفة هندسة الجمل في تركيب القرآن، كما بإمكانها أن تزود المفسر للنص القرآني بآليات وأدوات لسانية تركيبية تمكن من توضيح بعض مظاهر الإتقان في تركيب القرآن.

ومن حيث الجهاز المفاهيمي فإن اللسانيات التوليدية يمكن أن تمد المفسر للنص القرآني بجهاز مفاهيمي يمكن استثماره في تحليل تركيب ودلالات النص القرآني.

من جهة أخرى إن في آيات القرآن الكريم الجواهر اللغوية والمعنوية التي لم يتم اكتشافها بعد بل لا نهاية لها مما يقتضي التسلح بما يناسب من الآليات اللسانية لإظهار الإتقان في تركيب القرآن، وبعبارة أدق إن القرآن الكريم له أسرار لغوية كثيرة في مفرداته ومعانيه وتركيبه، وهذه الأسرار اللغوية، تقتضي من الباحث أن يغوص في بحر اللغة القرآنية. وقبل توضيح بعض الآليات اللسانية يجدر بنا أولا أن نظهر أهم خصائص التركيب القرآني.

– التركيب القرآني: خصائص لسانية

إذا تأملنا لسانيا في تركيب القرآن بدقة يتبين أنه تركيب محكم فريد معجز، نسجت مفرداته بطريقة محكمة، حيث انصهرت هذه المفردات في بوثقته الدلالية والبيانية، فإذا هي وصف آخر من السبك والنظم، مما يجعله في غاية الحسن والجمال، إنه تركيب غير عادي، إذ هناك إتقان في تركيب القرآن بل هناك إعجاز تركيبي؛ ويتمظهر ذلك من حيث البنية التركيبية للجمل، ومن حيث هندسة الكلمات المؤلفة لهذه الجمل. والإعجاز نلمسه من حيث تركيب ما يعرف بالحروف المقطعة في فواتح السور في القرآن الكريم.

إن النص القرآني يحترم واقع القوانين اللغوية، وتتداخل فيه قواعد النحو وفنون البلاغة، وتتبع ظواهره يقتضي معرفة شاملة بقواعد النحو واللغة والمعاني، فهو يمثل بناء محكما مضبوطا تخضع فيه الجملة لهندسة دقيقة ولنظام من الأحكام اللغوية والضوابط العلمية؛ حيث انضمت فيه الوحدات المعجمية بطريقة لسانية مضبوطة، مما يجعل النص القرآني بنية محكمة البناء تضبطه سلسلة من العلاقات التركيبية المحكمة بين مفرداته وجمله وآياته وسوره، كما خضعت هذه الوحدات لعمليات انتقائية محكمة، وأن انتقاء كلمة دون أخرى وراءه حكمة، وهذا مظهر من مظاهر الإعجاز فيه.

وعموما يمكن أن نجمل بشكل موجز أهم الخصائص اللسانية للتركيب القرآني فيما يلي:

أ – على مستوى اللغة: يتميز برعاية قوانين اللغة وقواعدها.

ب – على مستوى المفردات هناك هندسة دقيقة جدا تتمثل في وضع كل كلمة في موضعها التركيبي اللائق بها، وأن أي تغيير تركيبي وراءه حكمة، مما يدل على دقة الإتقان في تركيب المفردات في القرآن.

وعليه إن التركيب القرآني يجري على نسق بديع خارج عن المعروف من نظام جميع كلام العرب، ويقوم في طريقته التعبيرية على أساس مباين للمألوف لنتأمل قوله تعالى: حم تَنزِيلٌ مِنْ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كِتَابٌ فُصِّلَتْ ءايَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (فصلت: 1).

فهذه الآيات بتأليف كلماتها العجيب وهندستها المتقنة، ونظمها البديع حينما سمعها عتبة بن أبي ربيعة، وكان من فطاحل البيان استولت على أحاسيسه، ومشاعره، وطارت بلبه، ووقف في ذهول، وحيرة، ثم عبر عن حيرته وذهوله بقوله (3): “والله لقد سمعت من محمد قولاً ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة… والله ليكونن لقوله الذي سمعته نبأ عظيم”.

وهذه الحقيقة توجد في سائر كتاب الله لا تتخلف في سورة من سوره ولا في آياته، ومن أجل ذلك عجز أساطين البيان عن الإتيان بأقصر من مثله.

ج – على مستوى البنية التركيبية للجمل في القرآن:

هناك هندسة دقيقة على مستوى البنية التركيبية للجملة، وتتمثل في انسجام أجزاء جمله والتئامها، بل إن التركيب القرآني جار على نسق واحد من السمو في جمال اللفظ، وعمق ودقة الصياغة وروعة التعبير.

2 – آليات لسانية يمكن استثمارها لإظهار الإتقان في تركيب القرآن:

2 – 1: التحويل آلية لسانية تمكن من إظهار الإتقان في تركيب القرآن:

إن التحويل آلية لسانية تمكننا من الانتقال من المستوى العميق إلى المستوى السطحي في تركيب القرآن، أي إنها وسيلة للانتقال من المستوى العميق المجرد إلى عالم التحقق الصوتي، وبمعنى أدق إنها وسيلة للمواءمة بين العمق المقدر والسطح الظاهر، وحتى نخرج من حيز التنظير ننتقل إلى حيز التطبيق من خلال تحليلنا لتراكيب قرآنية.

لنتأمل قوله تعالى: واشتعل الرأس شيبا(مريم: 3). هذه الجملة القرآنية أو التركيب القرآني محولة عن تركيب عميق، فالتمييز في هذا التركيب محول عن الفاعل، والبنية العميقة للآية السابقة هي: واشتعل شيب الرأس (4)، أي انتشر الشيب وعم الرأس.

ولنتأمل قوله تعالى: وفجرنا الارض عيونا (القمر: 12)، إذا تأملنا بدقة نلاحظ أن التمييز “عيونا” محول عن مفعول به، وعليه فبنيتها العميقة هي: وفجرنا عيون الأرض، ثم أصبحت الجملة كما هي عليه في بنيتها السطحية بعد تطبيق آلية التحويل.

2 – 2: التقدير آلية لسانية لرد بينة فرعية إلى بنية أصلية في التركيب القرآني:

“التقدير هو تأويل العناصر الخفية تأويلا دلاليا واضحا” (5)، وإجرائيا هو استحضار عنصر أو عدة عناصر مغيبة من البنية التركيبية. ويرتبط التقدير ارتباطا وثيقا بالدلالة. كما يرتبط التقدير بالحذف (6)، فإذا كان هذا الأخير هو إسقاط عنصر أو أكثر من البنية التركيبية فإن التقدير هو استرجاع العنصر المحذوف من نفس البنية. وإذا أردنا أن نستثمر الجهاز المفاهيمي للسانيات وخاصة التوليدية منها؛ صح أن نميز بين مستويين لسانيين، فالحذف يشكل المستوى السطحي للجملة أو تركيبها الظاهر، بينما يمثل التقدير المستوى العميق أو تركيبها الخفي، وهذا الجهاز المفاهيمي يمكن استثماره في تفسير تركيب القرآن. لنتأمل قوله تعالى:

– وجاء ربك (الفجر: 24). تمثل هذه الآية بنية سطحية أو مستوى سطحي؛ فنظرا لاستحالة مجيء الباري تعالى؛ لأن المجيء من سمات الحدوث، اقتضى الأمر تقدير محذوف يمكننا من الوصول إلى المستوى العميق للبينة السابقة وتكون على الشكل الآتي: “وجاء أمر ربك أو عذابه أو ملائكته”.

والتحليل نفسه يصدق على معظم تراكيب القرآن. مما يظهر أن في آيات القرآن الكريم الجواهر اللغوية والمعنوية واكتشافها يقتضي التسلح بما يناسب من الآليات اللسانية، هذه الأدوات والآليات التي يمكن أن تساهم في إظهار الإتقان في تركيب القرآن.

خاتمة:

إن القرآن كشف للباحثين والدارسين وهم يبحثون في وجوه إعجازه عن بحر ليس له ساحل، لا تنقضي عجائبه وأسراره، وقد شكل ولا يزال مرتكزا معرفيا هاما في العبقرية العربية، فهو من جهة يمثل ثروة بلاغية هائلة لا تنضب، ومعينا لغويا لا ينفد، ومن وجه آخر قدرة تشريعية خارقة، ورسالة سماوية رائدة. ومن ثمة سيبقى القرآن الكريم منبعا للمعرفة بل هو أصل المعرفة.

د. محمد الغريسي

—————–

الدكتور محمد الغريسي أستاذ مؤهل في اللسانيات  -الكلية المتعددة التخصصات- الرشيدية المغرب

1 – ينظر: المبادئ ي العامة  لتفسير القرآن بين النظرية والتطبيق ، محمد حسين علي الصغير، ط. 1 ـ 1420هـ/ 2000م، دار المؤرخ العرب بيروت لبنان، ص139، 140

2 – بخصوص النظرية التوليدية أنظر في هذا الشأن أعمال الدكتور الفاسي الفهري الذي حاول معالجة تركيب اللغة العربية من خلال مؤلفاته : اللسانيات واللغة العربية ، البناء الموازي ، ذرات اللغة العربية ، وأنظر أعمال الدكتور محمد الرحالي في كتابه ” تركيب اللغة العربية ، أما بخصوص النحو الوظيفي  أنظر أعمال الدكتور أحمد المتوكل .

3 – عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن كثير القرشي: البداية والنهاية، ج. 3،  تحقيق عبد الله بن عبد المحسن التركي ص. 50.

4 – ينظر الأشموني: شرح الأشموني ج. 2 ص. 195.

5 – Owens. J 1988  the  foundationsofgrammar : Anintroductiontomedievalarabicgrammaticaltheory ;Amsterdam ;philadelphiabenjamins, p66-67.

6 – للتفاصيل أكثر حول قيمة الحذف والتقدير في التفسير اللساني أنظر الدكتور محمد الغريسي، اللسانيات العربية والإضمار دراسة تركيبية دلالية.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *