الزور: مفهومه وأضراره الاجتماعية


مقدمة:

لقد شاهدنا أيام الحملة الانتخابية ممارسات عديدة، وأشكالا من المعاملات المختلفة، وألوانا من الخطابات المبكية المضحكة، وقرأنا برامج ذات عناوين بارزة وواضحة. وقد بدا لي أن هناك أمورا كثيرة وخطيرة جدا، سقطنا فيها أيام هاته الحملة -ولا قدر الله- إذا لم تعالج، ولم تنسخ من أدهاننا وأفعالنا، فسنظل على هذا الوضع الكارثي إلى ما شاء الله تعالى.

وأول العراقيل وأبرز المشاكل التي شوهدت بوضوح، ومورست بالسر والعلن: الزور. فما مفهومه؟ وما هي أضراره على المجتمع؟.

1 – مفهوم الزور:

عرف علماء اللغة الزور بتعريفات متقاربة ومتنوعة، تقرب القارئ من حقيقته، وتوضح ماهيته للباحث عن دلالته، ولعل أحق التعاريف وأقربها لواقعنا اليوم، ما ذكره ابن فارس بقوله: “الراء والواو والزاي أصل واحد يدل على الميل والعدول. من ذلك الزور: الكذب لأنه مائل عن طريق الحق…”.

فالزور إذن كذب، والزور ميل عن الحق، والزور عدول عن الصواب، ولا ينبغي حصر مفهوم الزور في: شهادة الزور-العرفية- التي تؤدى أمام القاضي، بل إن مفهوم الزور شامل لكل تغيير للحقائق، وعام لكل تحويل عن الصواب، سواء كان بالكلام، أو بالإشارة، أو بالكتابة، أو غير ذلك مما يموه الماهيات، ويفسد البدهيات. فهذا المفهوم للزور غاب عن الناس اليوم بشكل شبه قطعي، مما جعله ينتشر بشكل واسع، ويكتسح مجالات متعددة ومتنوعة. ويضيف أبو هلال العسكري تمييزا آخر وخصيصة أخرى للزور فيقول: “الزور هو الكذب الذي قد سوي وحسن في الظاهر ليحسب أنه صدق…”.

فالزور دائما هو كذب، لكنه مزين ومجمل ومزخرف؛ لأجل تغطية ما به من سموم، وإلباسه الصراحة والصدق، ليقبله الناس، ويصدقونه بصدر رحب، وبانشراح واسع، أليس مثل هذا المفهوم منتشرا في واقعنا بأشكال مختلفة وبشمولية مخيفة جدا؟؟ وما الحملة الانتخابية عنا ببعيدة، فكم من جاهل أصبح فيها عالما، وكم من فاسق أصبح فيها صالحا، وكم من بليد جبان أصبح سياسيا محنكا، واللائحة طويلة، أليس في هذا استخدام للزور؟ وإقبار للحقائق؟.

2 – الأضرار الاجتماعية:

فالزور أضراره كثيرة، ومفاسده خطيرة، وعواقبه وخيمة، وأشدها ضرا وفتكا ما يلي:

أ- إسناد الأمور إلى غير أهلها: فالزور عندما يطبق ويفعل في الحياة الاجتماعية، يرد طالحها صالحا، وجاهلها عالما، وبخيلها زاهدا، فإذا أصبح الوضع هكذا، سيبعد منها المؤهلون، ويقرب إليها الخائنون، ويوضع مكان الحجر ترابا ومكان التراب حجرا؛ لأن الباطل لا يلد إلا الباطل، فأين هي ثقافة: الرجل المناسب في المكان المناسب.

إننا نجد اليوم في واقعنا هذه الحقيقة المرة مطبقة ومجسدة من ألفها إلى يائها، نجد الطبيب مسؤولا عن التعليم، والقانوني مسؤولا عن الصحة، والعالم الفقيه مسؤولا إداريا، والرجل التربوي الإداري فقيها مدرسا، وهكذا دواليك، وقديما قال المتنبي:

ووضع الندى في موضع السيف بالعلا ….  مضر كوضع السيف في موضع الندى.

من الذي جعل وضعنا هكذا؟؟ وما السبب في فشل كثير من قطاعاتنا الاجتماعية؟؟ فقطاع الصحة مثلا مريض طريح الفراش، وقطاع التعليم يحتضر؟؟. -كما تعلمون-. فالزور–يا أحبتي– هو السبب وهو الفاعل الأكبر لهذه المشاكل كلها.

ب – إبعاد الأمور من يد أهلها: وهذا الخطر ناتج عن السابق، فإذا أسندت الأمور إلى غير أهلها معناه أنها انتزعت من يد أهلها، وسلبت من حضن المستحقين لها. وبتحقق هذه النتيجة، سيحرم الزور الأمة والمجتمع، من تولي الأكفاء مقالد أمورها، ومن وضع القيادة بيد المؤهلين لحملها. فهذه جناية ما بعدها جناية، وتخريب ما بعده تخريب، وظلم لكل من يمشي على الأرض، وهو من كان السبب الحقيقي في تسمية أمتنا بالرجل المريض، وهذا كان قديما، أما الآن فقد وصل بها إلى الموت (الرجل الميت).

إن العالم كله يشهد لأمتنا بالكفاءة العلمية والسياسية والاقتصادية والحربية والتربوية، في كثير من أفرادها، وفي عدد كبير من مواقعها الجغرافية، فمن منع هذه النخبة الكفأة وهذه الذخيرة الذهبية من تولي مناصب القرار، والجلوس في كراسي التدبير والتنظير والتخطيط؟؟ إنه الزور.

فعلى الأمة أن تعود إلى شيوع ثقافة وقاعدة: الرجل المناسب في المكان المناسب، وأن تحارب كل أشكال الزور، وكل ألوان التحريف، إذا أرادت الرجوع إلى مجدها، والعودة إلى رياستها، فالعرب تقول: السيف بضاربه. فاللهم أبعد عنا الزور، وبعدنا من الزور، وردنا إلى دينك ردا جميلا يا رب.

جواد الزوين

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *