الثقافة والدين


يظل أمر تحديد الموقف من كل من الدين والثقافة في المجتمع الإسلامي أمرا حاسما على مستوى رسم طريق السير وصياغة نموذج الحياة، أو نمط الـحـضـارة الذي يتميز به ذلك المجتمع عن غيره من المجتمعات.

وليس يكفي على سبيل المثال إعلان التحيز الإيجابي لدين الإسلام في المسألة، أو مجرد التحديد النظري الذي يتم التصريح به على مستوى النخب الفكرية المؤمنة بهذا الدين، التي لا تذخر وسعها -مأجورة- في رفع عقيرتها بالقيم والحقائق والتصورات التي يتأسس عليها ويتقوم بها كيانه، وإنما لا بد أن تتوفر جميع الشروط ليتحول ذلك إلى واقع مشخص ينبض بالحركة والحياة، ويلمسه الناس على اختلاف شرائحهم ومستوياتهم في كل جزئية من جزئيات حياتهم، حتى يمتزج بكيانهم، ويشكل علامة مميزة تكشف عن نفسها بكل صدق وصفاء، ويعلمها القريب والبعيد على حد سواء. وإن ذلك لعمري هو رأس الأمر وجوهر المسألة فيما بين مفهوم الدين ومفهوم الثقافة من الاتصال، فإذا كان مفهوم الدين هو الدينونة لله الخالق الرازق، رب الأرض والسماء وكل ما فيهما من الخلائق، وإفراده  بالعبودية، وتحقيق الخضوع والحب له سبحانه وتعالى، فإن الثقافة، في علاقتها بالدين، تمثل ما جاء به الدين من شرائع وقيم وأحكام، على أساس الاعتقاد الجازم بصحته وكماله، مأخوذا فهمه من أهل الذكر الراسخين في العلم مصداقا لقول الله تعالى: فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون(النحل: 43)، ثم المضي به قدما في خضم الواقع لصياغته وبنائه على هدى من الله، لبنة لبنة، بناء يستلهم زاده القوي وشحناته الخلاقة من خلق التقوى واستحضار مراقبة من لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء(سبأ: 3)، ويعلم خائنة الاَعيُن وما تخفي الصدور(غافر: 19)، ثم استفراغ الوسع في حمايته من كل المشوشات والمنغصات على اختلاف أنواعها، بل والوقوف بصلابة واعتزاز في وجه التحديات التي تستهدف عرقلة وصول الخير للناس أو إيقاف نور رحمته وإطفاء شعلتها.

معنى ذلك أن شرط التطابق بين القول والفعل، وبين النظر والسلوك على صعيد الفرد والجماعة والنظام العام، هو الذي ينبغي أن يشكل سمة المجتمع المسلم، حتى يكون في مأمن من مقت الله  وغضبه، الذي نجد تحذيرا رهيبا منه من رب العزة والجلال في قوله سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (الصف: 2-3). إن الفصام بين الأقوال والأفعال من شأنه أن يحول الدين في حياة المسلمين إلى مجرد شعار للزينة أو التقية، أو في أحسن الأحوال إلى عنوان للضعف والهزيمة والخذلان.

إن تحول الدين إلى ثقافة تجري في كيان المجتمع مجرى الدم، أو إلى روح تسري في ذلك الكيان، بتعبير القرآن، هو الذي عبر عنه بجلاء، مالك بن نبي رحمه الله في تعريفه للثقافة بكونها: مجموعة من الصفات الخلقية، والقيم الاجتماعية التي تؤثر في الفرد منذ ولادته وتصبح لا شعوريا العلاقة التي تربط سلوكه بأسلوب الحياة في الوسط الذي ولد فيه (مشكلة الثقافة، ص: 102). وبناء عليه، فإن الولاء الصادق للدين يقضي ويحتم على كل من يزعم ذلك الولاء، توفير كل الشروط لتحقيق عملية التمثل والتحويل، من خلال تسخير جميع الوسائل والقنوات لحمل هذه الرسالة الحضارية الكبرى، وإلا فإن أي تقاعس عن ذلك سوف يبقي على الفصام النكد شاهدا على أكبر جريمة ترتكب ليس في حق المسلمين فقط، ولكن في حق الإنسانية جمعاء، التي تحتاج إلى رؤية الإسلام في كيان مشخص جميل يجذب إليه جموع الحائرين، ويمثل لهم موئلا للاطمئنان ونجاة من التيه والحرمان، والعذاب والاضمحلال.

لقد أدرك هذه الحقيقة الوجودية والتربوية العميقة المفكر الكبير محمد أسد رحمه الله وعرضها بقدر كبير من العمق والبيان في كتابه القيم: الإسلام على مفترق الطرق، ومما قاله في ذلك: إن الإسلام ليس اعتقادا بالجنان فقط، ولكنه فوق ذلك منهاج ظاهر الحدود تمام الظهور للحياة الفردية والاجتماعية. ويمكن أن يهدم الإسلام باتخاذ المسلمين ثقافة أجنبية تختلف عنه اختلافا جوهريا في أسسها الأخلاقية، وكذلك يمكن أن ينتعش حالما يرجع به إلى الحقيقة الخاصة به، وتنسب إليه قيمة هي العنصر الذي يقرر ثم يؤلف كياننا الفردي والاجتماعي في جميع نواحيه. (ص: 85).

لقد بات أمر تحرير الواقع والوجدان في عالم المسلمين مسألة حياة أو موت، فإما أن نكون أو لا نكون. وإن استمراء الغوص حتى الأذقان في حمأة ثقافة مضادة لحقيقة الدين، لهو دليل تبلد وإخلاد إلى الطين، ودليل غيبوبة فردية وجماعية عن فحوى الرسالة والأمانة.

د. عبد المجيد بنمسعود

اترك تعليقا :

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *