أعلام وقضايا – من معالم منهج الترجيح عند العلامة الدكتور محمد التاويل رحمه الله تعالى (3) 2


ب- من حيث الترجيح:

إن القارئ لكتب الشيخ رحمه الله يستنتج مدى البعد العلمي والمعرفي الذي يتميز به الشيخ ويتجلى ذلك -من بين ما يتجلى فيه– في تصويباته جمعا وتوفيقا بين النصوص المختلفة والأدلة المتعارضة، وحسن تأويله لها، بعقل وتوجه لا يخالف المنطق الصحيح في أحكامه، ولا تحيله السنن الكونية، فكر يُلاحظ فيه التطبيق الدقيق للفكر الأصولي الذي ينطلق على أساس من الدقّة اللفظية التي اعتاد الفقهاء والأصوليون أن يتحرّكوا على أساسها.

والشيخ رحمه الله يصحح ويضعف وقد يخالف كبار العلماء وبعض المجمعات الفقهية، وله منهج خاص في اختيار رأي على آخر أو ترجيح قول على آخر، فهو قد يرد قول المخالف بقوله نفسه في موضع آخر شبيه له، وقد رصدنا في هذا الموضوع أمورا نشير إلى بعض منها هي كالآتي:

التأدب مع المخالف:

من أول ما يمكن أن نرصده في هذا المقام تأدبه مع المخالف أيا كان مذهبه ومعتقده، ومن ذلك:

• عدم تسمية الشخص المخالف خاصة في مقام الإنكار عليه:

ومن أمثلة ذلك قوله: “ذكورية الفقه ورجوليته مقالة شيطانية أخذت تطرق الأسماع، وتشق طريقها إلى بعض القلوب، وبدأت بعض العناصر المشبوهة تروج لها في الملتقيات والندوات ومختلف وسائل الإعلام، وتسربت إلى خطاب بعض المسؤولين والمثقفين غير الواعين بخطورتها…”(1).

وقوله: “الشهادة إحدى القضايا التي تشكو منها المرأة وتتظلم وتعتبرها انتقاصا من قدرها… ويستغلها خصوم الإسلام وأعداؤه في الدعاية ضد الإسلام واتهامه بالتحيز للرجل واحتقار المرأة حين رد شهادتها في غير الأموال وما يؤول إليها… ويحرضون المرأة على رفع صوتها بالشكوى والتظلم… ويصرون على المطالبة بالتسوية بين الرجل والمرأة في الشهادة دون تمييز…”(2).

ويقول أيضا: “وقد اغتر بعض المفتين بهذه الفتوى وما جاء فيها عن ابن العطار من أن هذا مذهب مالك، وأفتى بأن الزوجة تأخذ مع زوجها من يوم تزوجها في الأصول وفي غيرها على قدر عملها…”(3).

إن الشيخ – رحمه الله-  يناقش الفكرة أساسا بغض النظر عن قائلها ينأى بنفسه عن السب والقذف، سلاحه القلم، يعرف أشخاصا بأسمائهم يدعون إلى ما سبق ذكره؛ لكنه ينأى بنفسه عن التعيين، فالمعين مبتدع كما يقال، وقد ورث هذا تلامذته النجباء. لقد درست عليهم سنوات ما سمعناهم يوما سموا أحدا باسمه في مقام الرد عليه أو دحض فكرته.

ومما ينبغي ذكره هنا أدب الشيخ –رحمه الله– مع العلماء وتبجيلهم وذكرهم بأوصاف لا تنقصهم قيمتهم بل تزدها، وكمثال على ذلك يقول رحمه الله: “إلا أن سيدي الوزاني نفى أن يكون العرف المشار إليه هو لأهل فاس”(4).

ومنهجه في الترجيح والتصحيح متنوع؛ فقد يرد مباشرة على غيره من العلماء أو المجمعات الفقهية أو المذاهب الأخرى عموما، وقد يرد على المخالف بقول عالم آخر مجتهد، وقد يرد قول المخالف بقوله نفسه في موضع آخر مشابه له في الصورة مخالف له في الحكم.

• مخالفته بعض الأئمة المجتهدين والرد عليهم بالعلم والدليل:

وأذكر هنا أمثلة في مخالفة الشيخ –رحمه الله– لكبار الأئمة، وهي مخالفة ناتجة عن علم واطلاع واسعين من ذلك:

عرضه لقول الإمام مالك رحمه الله في زكاة الفلوس مع بيان سبب قول مالك رحمه الله بعدم الزكاة فيها، قال رحمه الله: “ولعل فتوى مالك رحمه الله بعدم الزكاة في الفلوس في عصره كما جاء في المدونة لم يكن سببها أن الفلوس في عهده لم يكن لها طابع العملة الرسمية، وكانت تتعرض للكساد والبوار، فلم يرها مالا ناميا فلم يوجب فيها الزكاة”(5).

وقال قبل ذلك: “في حين رأى آخرون أن سبب الزكاة فيهما كونهما مالا ناميا وثمنا لتقييم غيرها من السلع والبضائع، وأوجب الزكاة في كل عملة مهما كانت عملتها التي اتخذت منها، وهذا هو الأصح والحق”(6).

الرد على  الإمام بن عرضون في حال صحة فتواه في الموضوع الآتي، قال: “وهكذا يتبين أن ما ينسب لأحمد بن عرضون من إفتائه بتشريكها في جميع المال المكتسب لا يثبت عنه، ولا يعدو أن يكون شائعة لا أصل لها، ولا أساس لها من الصحة. وهي على تقدير ثبوتها فتوى في منتهى الفساد”(7).

رده قول الإمام بن القيم ومصطفى الزرقا قي تعليل دية المرأة والحكمة في جعلها نصف دية الرجل، فبعد أن عرض قول الإمام ابن القيم في تعليل هذا الحكم الذي ملخصه كون المرأة أنقص من الرجل وهو أنفع منها بحيث يسد من المناصب والولايات وعمل الصنائع ما لا يتم إلا به لذا لم تكن قيمتهما متساوية؛ وعلل ابن الزرقا ذلك بكون الضرر المالي الذي يلحق أهل الرجل القتيل أكثر من الضرر المالي الذي يلحق أهل المرأة المقتولة، ليقول الشيخ رحمه الله بعد ذلك: “وكلا التعليلين غير وجيهين ولا مقنعين، فإن العلة في تشطير دية المرأة هي الأنوثة والعلة في تمام دية الرجل هي الذكورية بقطع النظر عن الاعتبارات التي بنى عليها ابن القيم والزرقا الفرق بينهما…”(8).

إن استقلاليته في التنظير والتقعيد والاستنباط، وعدم انسياقه مع التيارات ذات التوجه الوحيد، أدى به إلى بناء منهج دقيق على مختلف المستويات، وكان من نتائج استقلاليته هذه المبنية على أسس علمية متينة، مخالفته أحيانا لمعظم المجمعات الفقهية، ومن ذلك مثلا: حالة استئصال جزء من جسم الإنسان وزعه في مكان آخر من نفس الجسم الذي اقتطع منه كما يقع في استئصال الشرايين من جسم المريض لتعويض شرايين القلب عند انسدادها، وسلخ قطعة من جلد المريض وزرعها في مكان آخر.

لقد خالف الشيخ -رحمه الله– معظم المجامع الفقهية في هذه القضية من ذلك: فتوى المجمع الفقهي الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي في دورته الرابعة بجدة من 18-23 جمادى الثانية 1408هـ الموافق لـ 6/11/1988م.

فتوى المجمع الفقهي لرابطة العالم الإسلامي في دورته الثامنة بمكة المكرمة 28/7/1405هـ الموافق لـ 19/8/1985م.

قرار هيئة كبار العلماء في السعودية بشأن زرع الأعضاء.

لكن مخالفته لم تأت عن تشه فقهي أو لنزعة معينة، ولكن بناء على ما توفر لديه من أدلة واستنباطات.

وخلال جنوحه لاتجاه معين أو تصحيحه لقول رأى أنه صحيح قد يسلم تسليما جدليا للوصول بالقارئ إلى ما يصبو إليه:  قاعدة إن فرض العين مقدم على فرض الكفاية، فإن أداء الصلاة في وقتها فرض، وإنقاذ المريض فرض كفاية على القول به وإن كان غير صحيح”(9).

ذ. أناس الكبيري

——————

1 – لا ذكورية في الفقه ص 5.

2 – المصدر السابق ص 42.

3 – إشكالية الأموال المكتسبة خلال الزوجية رؤية إسلامية ص 89.

4 – إشكالية الأموال المكتسبة خلال الزوجية ص 26.

5 – زكاة العين ومستجداتها ص 63.

6 – نفسه.

7 – إشكالية الأموال المكتسبة مدة الزوجية ص 80- 81.

8 – لا ذكورية في الفقه ص 40.

9 – زراعة الأعضاء من خلال المنظور الشرعي ص 24.

 


اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

2 thoughts on “أعلام وقضايا – من معالم منهج الترجيح عند العلامة الدكتور محمد التاويل رحمه الله تعالى (3)