من صفات القائد الناجح في شخص رسول الله 


لقد جاءنا الرسول  بمنهاج من عند الله تعالى؛ لا سعادة للبشرية إلا بالتمسك به، وقد كان  أول المطبقين له، فكل سيرته  تطبيق عملي لهذا المنهاج، بل كان كما وصفته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: «قرآنا يمشي على الأرض». وهذا ما يجعل البشرية تتخذه قدوة وأسوة حسنة في جميع المجالات الحياتية، ولا أحد من البشرية أظنه كان قدوة في جميع المجالات غيره ؛ لأنه أرسل رحمة للعالمين، جاء بدين صالح للعالمين، دين يتميز بالشمولية. وهذا ما جعلنا نتلمس صفات القائد الناجح من خلال سيرته ؛ لأنه كان نعم القائد، ولأن البشرية لم تعرف قائدا مثله بشهادة المسلمين وغير المسلمين. وكل ذلك لأنه  جمع بين الحسنيين: بين كمال الوحي وبين الكمال العقلي والنفسي. وهذه بعض الصفات التي يجب أن تتوفر في القائد حتى يكون ناجحا وموفقا في مهمته نستنبطها من سيرة المصطفى .

1 – القوة والأمانة:

وأقصد بالقوة: القوة البدنية والسلامة الصحية، والقوة النفسية والشخصية التي غالبا ما تظهر عند المواقف الصعبة ووقت الأزمات الحالكة. وكذلك كان  قوي البنية الجسدية حتى روي أن قوته بقوة أربعين رجلا في البطش والنكاح (فتح الباري شرح صحيح البخاري). وأما قوة شخصيته فقد كانت واضحة للعيان في جميع مواقفه في سلمه وحربه في المنشط والمكره…

ومع كونه  قويا فقد عرف بالأمانة، فكان يلقب بالصادق الأمين قبل بعثته ، ثم إنه عند هجرته إلى المدينة المنورة أمر عليا بن أبي طالب  أن يرد الودائع التي كانت عنده إلى أصحابها وهم الذين مكروا به وآذوه وقاتلوه وأخرجوه من أحب البلاد إليه. ولما هاجر إلى المدينة اعتبر أصحابه أمانة في عنقه فكان حريصا عليهم أشد الحرص.

فكل أمة كان قائدها قويا أمينا فلا خوف عليها، وأبشربنمو الخيرات فيها؛ لأنه يمتلك قوة الدفاع عنها، ولأنه يعتبر مسؤوليته عليهم من أعظم الأمانات التي يجب حفظها والحرص عليها من الضياع. وهاتان الصفتان عرف بهما أيضا نبي الله موسى  نطق بها القرآن الكريم في قوله تعالى: إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ(القصص: 26).

2 – الوالدية:

ويقصد بها أن يكون القائد في رعيته بمنزلة الوالد لولده، قال : «إنما أنا لكم مثل الوالد» (رواه أحمد 7368 وابن حبان في صحيحه 1431)، وقال جل شأنه: النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ ۖ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُم(الأحزاب: 6) فالوالد (أو الوالدة) دائما ما يكون رحيما بأولاده، يفرح لفرحهم، ويحزن لحزنهم، يسهر على رعايتهم ويتعب من أجل راحتهم، يحب أن يكون أولاده في أعلى عليين، ويغير عليهم، ويسعى جاهدا لإسعادهم. وكذلك كان  رحيما بأمته. وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِين(الأنبياء: 107)، يحس بالأيتام ويرعاهم ويحث أغنياء الصحابة على التكفل بهم، وما شرعت الزكاة إلا لذلك، كان  يربط حجرين على بطنه من الجوع ولا يشبع إلا إذا شبع فقراء المسلمين، كان حريصا على أمته لا يبالي بما أصابه في سبيلها. قال تعالى: حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيم(التوبة: 108). وأشهر موقف في هذا قضية قدح اللبن مع أبي هريرة حيث أخره رسول الله حتى ارتوى أهل الصفة، ثم أمره بالشرب حتى ارتوى، وكان  آخر الشاربين.

وبصفة عامة فصفة الوالدية تجمع تحتها مجموعة من الصفات مثل الرفق والرحمة وسعة الصدر والإحساس بالمسؤولية والاجتهاد في رعاية مصالحة الدين والعباد… التي يجب توفرها في القائد المتميز.

3 – التواضع:

لابد للقائد أن يكون متواضعا حتى يكسب قلوب أفراد مجموعته ويكسب حبهم وودهم، وهذه صفة متممة لما قبلها.

فانظر -رحمك الله- كيف دخل  مكة فاتحا في قمة التواضع وهو الذي بنى دولة الإسلام في أقل من ثلاث وعشرين سنة.

وانظر إليه كيف أن الجارية كانت تذهب به حيث شاءت ولا ينزع يده حتى تنزع يدها وحتى تعرض عليه حاجتها.

بل انظر إليه كيف يجلس بين أصحابه يأتي الغريب فلا يكاد يميزه من بينهم فما يكون من قائد هذا شأنه إلا أن يزداد حبه ويعظم في قلوب أتباعه؛ كبيرهم وصغيرهم، شريفهم ووضيعهم، رجالهم ونساءهم..

لقد كان رسول الله  بتواضعه يشعر الناس كل الناس -حتى الذين لم يروه- بحبه لهم، يرى أن لكل واحد منهم في نفسه حظا ولا ينظر إليهم باستكبار أو احتقار ولا يزدريهم ولا ينقص من شأنهم ولا يحط من قدرهم. وفي الحديث أن النبي  كلم رجلا فأرعد فقال: «هون عليك فإني لست بملك، إنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد» (رواه ابن ماجة).

4 – العدل:

وهي أيضا صفة متممة لما قبلها، فالوالد لا يفرق بين أبنائه وإنما يعدل بينهم، ولقد كان  لا يفرق بين غني وفقير، بين حاكم ومحكوم، بين قوي وضعيف، بين قريب وبعيد.. ومن أبرز مواقف عدله  أنه جاءه في يوم سبي، فجاءته قريبات له فَشَكَوْنَ إِلَيْهِ مَا هن فِيهِ وَسَأَلْنَهُ أَنْ يَأْمُرَ لَهن بِشَيء مِنَ السَّبْي. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : «سَبَقَكُنَّ يَتَامَى بَدْرٍ لَكِنْ سَأَدُلُّكُنَّ عَلَى مَا هُوَ خَيْرٌ لَكُنَّ مِنْ ذَلِكَ: تُكَبِّرْنَ اللَّهَ عَلَى أَثَرِ كُلِّ صَلاَةٍ ثَلاَثًا وَثَلاَثِينَ تَكْبِيرَةً، وَثَلاَثًا وَثَلاَثِينَ تَسْبِيحَةً، وَثَلاَثًا وَثَلاَثِينَ تَحْمِيدَةً، وَلاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ» (أخرجه أبو داود). أي أن يتامى بدر أحق به منهن، وهذه ابنته فاطمة رضي الله عنها -وما أدراك ما فاطمة !- تأتيه هي وزوجها علي يطلبان خادما؛ فيرى أن فقراء المسلمين أحوج منهما إلى هذا الخادم، فيذهب إلى فراشهما فيعلمهما ما هو خير لهما من خادم. وقد أثر عليه الحديث المشهور: «وايم الله لو أن فاطمة ابنة محمد سرقت لقطعت يدها» (صحيح مسلم).

إن العدل يعمر والظلم يدمر.

5 – حفظ حرمات الناس:

إن القائد المتميز هو الذي يكون حريصا على حرمات أفراد مجموعته ولا يتتبع عوراتهم؛ فعن معاوية  قال: سمعت رسول الله  يقول: «إنك إن اتبعت عورات الناس أفسدتهم أو كدت أن تفسدهم». فقال أبو الدرداء: «كلمة سمعها معاوية من رسول الله  نفعه الله تعالى بها» (رواه ابن حبان وأبو داود).

لقد كان رسول الله  يرفض أن يأتيه أحد بأسرار الآخرين حتى وإن كان هذا الآخر من المنافقين الذين هم أشد خطرا على المسلمين؛ لأنهم يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر، فعَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ  إِذْ جَاءَهُ حَرْمَلَةُ بْنُ زَيْدٍ الأَنْصَارِيُّ أَحَدُ بَنِي حَارِثَةَ، فَجَلَسَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، “الإِيمَانُ هَاهُنَا، وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى لِسَانِهِ، وَالنِّفَاقُ هَاهُنَا، وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى صَدْرِهِ، وَلا يذْكُرُ اللَّهَ إِلا قَلِيلا.

فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ ، وَرَدَّدَ ذَلِكَ حَرْمَلَةُ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ  بِطَرَفِ لِسَانِ حَرْمَلَةَ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْ لَهُ لِسَانًا صَادِقًا، وَقَلْبًا شَاكِرًاوَارْزُقْهُ حُبِّي، وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّنِي، وَصَيِّرْ أَمْرَهُ إِلَى خَيْرٍ. فَقَالَ لَهُ حَرْمَلَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لِي إِخْوَانًا مُنَافِقِينَ، كُنْتُ فِيهِمْ رَأْسًا، أَفَلا أَدُلُّكَ عَلَيْهِمْ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : لا، مَنْ جَاءَنَا كَمَا جِئْتَنَا اسْتَغْفَرْنَا لَهُ كَمَا اسْتَغْفَرْنَا لَكَ، وَمَنْ أَصَرَّ عَلَى ذَلِكَ فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِ، وَلا تخْرِقُ عَلَى أَحَدٍ سِتْرًا” (أخرجه الطبراني في المعجم الكبير).

هذه بعض الصفات الأساسية للقيادة الناجحة مستفادة من سيرة خير البرية ، وإلا فصفاته أكثر من أن تعد أو تحصى، مثل العلم والشجاعة والتشاور والقدرة على التواصل مع الغير والقدرة على التشجيع وبث روح الأمل لدى أفراد المجموعة وغيرها.وكلها يمكن أن تندرج بشكل أو بآخر تحت ما تم ذكره.

محمد معطلاوي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>