اللغة العربية لغة القرآن الكريم:مباني ومعاني: (21)


مناقشة السؤال المعلق في الحلقتين: (19-20) (هل يدرك محلل النص دلالات كل مكونات الكلام في النص المحلل؟)

ناقشنا في الحلقة الماضية (20) المنشورة بالمحجة بالعدد 435 السؤال الأول من بين الأسئلة الثلاثة المطروحة في الحلقة (18)؛ حيث اتضح أن مصطلح البنية المعروض على وزن (فِعْلة) التي تدل على الهيئة لا يستوعب كل أشكال الكلمات التي لا تنضبط دلالاتها مع غيرها في مجال معين. وقدمنا بهذا الخصوص مجموعتين من الأمثلة في الحلقة الماضية (20) المحجة 435؛ الأولى منها تتضمن أربع مجموعات من الأمثلة هي (أ- ب- جـ – د)، أمثلة كل واحدة منها منضبطة لدلالة خاصة في مجال معين وفق صيغة معينة. والثانية تتضمن ثلاثة أنواع من الأمثلة: (أ – ب – ج). كل مثال منها يحتاج إلى إجراء خاص لأجل ضبط دلالته الخاصة. ونذكر بأمثلة (ب) من المجموعتين فقط، وقد سجلنا بالنسبة لأمثلة المجموعة الأولى (ب): باب فَعْلان. لما كان من الجوع والعطش ومن مصادره: ضمآن وعطشان وصديان. أما أمثلة (ب) من المجموعة الثانية فهو باب ما أفعله… تقول: ما أبغضني له وما أمقتني له، وما أشهاني لذلك. إنما تريد أنك ماقت، وأنك مبغض، وأنك مشتهٍ. فإن عنيت غير ذلك قل: ما أفعله. إنما تعني به هذا المعنى… وقصدنا من التذكير بهذه الأمثلة هو ملاحظة الفرق بين أمثلة المجموعتين فيما يتعلق بربط علاقة اللفظ بالمعنى في مجال معين. فأمثلة فعلان لا تحتاج فيها إلى تأويل للدلالة على الجوع أو العطش، في حين أن أمثلة ما أفعله تحتاج إلى استحضار قصد المتكلم لاستعمال البنية المناسبة له ما دام الأمر يحتمل أكثر من وجه. وقد سجلنا أن المعيار الفاصل بين النوعين المذكورين من الكلمات وما يشبهها هو مفهوما السماع والقياس، وهو ما واعدنا ببسط الكلام فيه بقدر ما يسمح به المجال؛ لأجل الفصل بين ما يمكن أن ينضبط من الكلمات لمصطلح البنية بالشكل الذي قدم به هذا المصطلح. وما يخرج من مجاله من أنواع مكونات الكلام التي تحتاج إلى مصطلح آخر أعم وأشمل وفي هذا السياق نعرض النصوص التالية:

1 – يقول ابن جني: “باب في اللغة المأخوذة قياسا…”

وذلك أنك لا تجد مختصرا من العربية إلا وهذا المعنى منه في عدة مواضع، ألا ترى أنهم يقولون في وصايا الجمع: إن ما كان من الكلام على(فَعْلٍ) فتكسيره على أَفْعُل ككلب وأكْلُبٍ، وكعب وأَكْعُبٍ، وفرخ وأفرخ وما كان على غير ذلك من أبنية الثلاثي فتكسيره في القلة على أفعال نحو: جبل وأجبال، وعنق وأعناق، وإبل وآبال، وعجز وأعجاز، وربع وأرباع، وضلع وأضلاع، وكبد وأكباد، وقفل وأقفال، وحمل وأحمال، فليت شعري (يقول المؤلف) هل قالوا هذا ليعرف وحده، أو ليعرف هو ويقاس عليه غيره، ألا تراك لو لم تسمع تكسير واحد من هذه الأمثلة بل سمعته منفردا أكنت تحتشم من تكسيره على ما كسر عليه نظيره؟ لا، بل كنت تحمله عليه للوصية التي تقدمت لك في بابه، وذلك كأن يحتاج إلى تكسير الرجز الذي هو العذاب. فكنت قائلا لا محالة أرجاز قياسا على أحمال وإن لم تسمع أرجازا في هذا المعنى… إلى أن يقول: كأن يسمع سامع ضؤُل ولا يسمع مضارعه، فإنه يقول فيه: يضؤل وإن لم يسمع ذلك… لأنه لو كان محتاجا إلى ذلك لما كان لهذه الحدود والقوانين التي وضعها المتقدمون وتقبلوها، وعمل بها المتأخرون معنى… وإذا كان الواحد فتكسيره كذا دون أن يستوفوا كل شيء (من ذلك) لفظا منصوصا معينا لا مقيسا ولا مستنبطا كغيره من اللغة التي لا تؤخذ قياسا ولا تنبيها، نحو: دار، وبستان، وحجر، وضبع، وثعلب… ولكن القوم بحكمتهم وزنوا كلام العرب فوجدوه على ضربين: أحدهما ما لابد من تقبله كهيئته، لا بوصية فيه ولا تنبيه عليه نحو: حجر ودار وما تقدم. ومنه ما وجدوه يتدارك بالقياس وتخف كلفته على الناس فقننوه وفصلوه إذ قدروا على تداركه من هذا الوجه القريب المعنى عن المذهب الحَزْن البعيد… (الخصائص 2/40 –بتصرف-)

يتضح من خلال ما قدم في النص أعلاه من أمثلة المفهومين: القياس والسماع أن للكلمات المصنفة ضمن كل مفهوم من بين المفهومين المذكورين خصائصها التي تجعلها تؤدي وظيفتها البيانية وهو ما لا يتسع المقام لبسط الكلام فيه. ولذا سنقدم أمثلة عامة وكلاما إجماليا بخصوص نوع الدراسة التي يهتم فيها بدراسة تصنيف أنواع الكلم وهو علم التصريف وفي هذا السياق يقول المازني:

2 – علم التصريف والحاجة إليه:

وهذا القبيل من العلم أعني التصريف يحتاج إليه أهل العربية أتم حاجة، وبهم إليه أشد فاقة؛ لأنه ميزان العربية، وبه تعرف أصول كلام العرب من الزوائد الداخلة عليها. ولا يوصل إلى علم الاشتقاق إلا به، وقد يؤخذ جزء من اللغة كبير بالقياس، ولا يصل إلى ذلك إلا من طريق التصريف…

وبعد أن قدم أمثلة متنوعة للقياس على غرار ما رأيناه عند ابن جني في النص الأول قال:

“ومنها ما لا يؤخذ إلا بالسماع، ولا يلتفت فيه إلى القياس، وهو الباب الأكثر نحو قولهم: رجل وحجر. فهذا مما لا يقدم عليه بالقياس، بل يرجع فيه إلى السماع، فهذه المعاني ونحوها ما كانت الحاجة بأهل علم العربية إلى التصريف ماسة، وقليلا ما يعرفه أكثر أهل اللغة لاشتغالهم بالسماع على القياس” (التصريف للمازري 1/2).

يعتبر هذا النص الذي أوردناه للمازني حجة قوية فيما يبدو لنا من عدم صلاحية مصطلح البنية بالشكل الذي ذكرناه لاستيعاب كل مكونات البيان في اللغة العربية وهو قوله: “ومما لا يؤخذ إلا بالسماع ولا يلفت فيه إلى القياس وهو الباب الأكثر”. ذلك أن القياس يوظف في مجال المشتقات من أصول معينة، هذا مع العلم أن أنواع الكلم ثلاثة: اسم وفعل وحرف جاء لمعنى.

فالاسم: رجل وفرس وحائط، وأما الفعل: فأمثلة أخذت من لفظ أحداث الأسماء وبنيت لما مضى ولما يكون ولم يقع…

وأما ما جاء لمعنى وليس باسم ولا فعل فنحو: ثم، وسوف وواو القسم ولام الإضافة، ونحوها” الكتاب 1/12. هذا مع العلم أن الاسم أنواع كثيرة منها اسم الجنس واسم العلم، وهذا الاسم الأخير ينقسم إلى مفرد ومركب ومنقول ومرتجل… (ش المفصل 1/25).

انطلاقا من هذه الأمثلة القليلة التي قدمناها لنوعي الكلم الاسم والحرف يتضح أن هذين النوعين لا يشملهما مصطلح البنية على وزن فِعلة، ولعل هذا ما جعل سبويه يوظف المصدر الذي هو البناء ومشتقاته كما سبق أن شرحناه في الحلقات الماضية وبالخصوص  16 و18 المحجة عدد … حيث لاحظنا أن الرابط بين دلالات كل المشتقات من مصدر البناء هو وجود حرفي الباء والنون في كل منهما. وهذا ما يوافق رأي ابن فارس الذي يؤكده ابن جني منسوبا إلى الخليل وسبويه في هذا المجال حيث يقول: “باب القول على لغة العرب: هل لها قياس وهل يشتق بعض الكلام من بعض؟

أجمع أهل اللغة -إلا من شد عنهم– أن للغة العرب قياسا وأن العرب تشتق بعض الكلام من بعض.

وأما اسم الجن المشتق من الاجتنان، وأن الجيم والنون تدلان أبدا على الستر. تقول العرب للدرع: جنة، وأجنة الليل وهذا جنين أي هو في بطن أمه أو مقبور.

وأن الإنس من الظهور يقولون: آنست الشيء ابصرته وعلى هذا سائر كلام العرب علم ذلك من علم وجهله من جهل..” (الصاحبي في فقه اللغة).

انطلاقا من هذا النص الذي أوردناه لابن فارس وما قدمناه من نماذج الكلمات التي لا يتضمنها مصطلح البنية مقيدا بالشكل الذي صيغ به نرى أن التعليل المناسب لمصطلح البنية هو تضمنه لحرفي الباء والنون، والحرف أس مكونات الكلام في اللغة العربية..

د. الحسين كنوان

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *