العالم على حافة الهاوية


للعرب قديماً مثل مشهور من أكثر الأمثلة حكمة وبلاغة، إذ إنه يضع خلاصة التجربة البشرية في الاستنباط والمعرفة والاستشراف، وذلك عدة كلمات قليلة وبأوجز عبارة: البعرة تدل على البعير، والأثر يدل على المسير.

نعم فالآثار تنبأ عن المصير والمآل، ومن اختار طريقاً وانتهج سبيلاً، بدا ذلك على تحركاته وخطواته، وهو ما يبدو واضحاً جلياً اليوم في العالم، فالجميع يسير اليوم على طريق الهاوية، وأصبح الازدحام على حافة الهاوية سمة العديد من القوى الكبرى في الأيام الماضية، حيث يتزايد الكلام كل يوم عن احتمال انجرار العالم في أتون حرب عالمية ثالثة بين التحليلات والتصريحات في القنوات الرسمية وغير الرسمية وحول العالم، ولكن ليس كل العالم، فمنهم من ينفي هذا جملة وتفصيلاً ومنهم من دق طبول الحرب.

من لم يسمع طبول الحرب العالمية الثالثة تقرع لا بد أن يكون مصاباً بالصمم، هكذا قال هنري كيسنجر، مستشار الأمن القومي ووزير الخارجية الأميركي الأسبق، مفسراً حالة التوتر التى تعيشها منطقة الشرق الأوسط، وهو التوتر الناتج عن عدم التوافق بين المصالح الروسية الإيرانية في المنطقة مع المصالح التي ترمى إلى تحقيقها الولايات المتحدة الأمريكية مع حلفائها الأوربيين، هي حرب قد لا يكون فيها منتصر بين الفريقين، إلا أن المؤكد فيها أن الخاسر الوحيد جراء هذه الحرب لن يكون سوى دول المنطقة العربية.

روسيا تدق طبول الحرب:

تشهد الأجواء العالمية احتداماً بين روسيا والولايات المتحدة، حيث أصدر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مرسومًا، يدعو فيه كل مسئولي الدولة الروسية خارج البلاد، بالعودة إلى ديارهم تحسبا لوقوع حرب عالمية خلال الفترة القريبة المقبلة، كما تضمن المرسوم دعوة كل العاملين في القطاع السياسي والعام في روسيا، بإخراج أولادهم من المؤسسات التعليمية الأجنبية، وذلك تجنبا لأية مخاطر ومجازفات يمكن أن تقع، يأتي صدور القرار الروسي في الوقت الذي قال فيه نعمان كورتومولوس، نائب رئيس الوزراء التركي، إن استمرار الحرب بالوكالة بين روسيا والولايات المتحدة في سوريا، ينذر بحرب عالمية بينهما، وتأتى هذه الرؤية الإستراتيجية والمخاوف المتصاعدة لموقفي الدولتين، في الوقت الذي صرح فيه بوتين أمام الكرملين مؤخرا نقلًا عن موقع ديلي ستار، بـأن الجيش الروسي وصل إلى درجة من الاحترافية، في أن يعد نفسه بنفسه من حيث العدد والعدة اللازمين لحجم الموقف مهما كانت عظمته، في خلال ساعات فقط وليس أيامًا على مستوى إقليم الشرق الأوسط أجمع. كما أطلق الناطق العسكري باسم الجيش الروسي الجنرال إيجور كوناشينكوف تهديداً صريحاً للأمريكان قائلاً: أذكر المخططين الاستراتيجيين الأمريكيين بأن صواريخ إس 300 المضادة للطيران وإس 400 التي تؤمن غطاءً جويًا لقاعدتي حميحيم وطرطوس، لديها نطاق تحرك يمكن أن يباغت أي طائرة غير معروفة هويتها. كما ألغى الرئيس الروسي بوتين زيارته إلى فرنسا المقررة في 19 أكتوبر الجاري وسط خلاف شديد حول دور موسكو في النزاع السوري وتصريحات الرئيس الفرنسي هولاند أن القوات السورية ارتكبت جريمة حرب في حلب بدعم من الضربات الجوية الروسية. بالإضافة إلى تحريك مدمرتين إلى السواحل السورية ونقل منظومة صواريخ إس 300 إلى الأراضي السورية ونقل صواريخ ذات قدرات نووية بالقرب من الحدود البولندية. أضف إلى ذلك المناورات المفاجئة بين روسيا ومصر والتي شملت وحدات المظليين الروسية لأول مرة، كما أرسلت روسيا حاملة طائرات إلى البحر المتوسط.

ثم أقدمت روسيا على تعليق العمل باتفاق نووي مع الولايات المتحدة ينص على التخلص من فائض البلوتونيوم الجاهز لديها لصناعة الأسلحة النووية، في خطوة جديدة تسكب مزيداً من التوتر على المشهد المتوتر أصلاً، مما يؤكد تردي العلاقات بين البلدين، ثم أصدر الرئيس الروسي بوتين قراراً يعتبر فيه أن الولايات المتحدة تشكل تهديدا استراتيجيا للاستقرار، بسبب تصرفاتها المناوئة لروسيا. وكان اتفاق معالجة البلوتونيوم، وقّع العام 2000 مع الولايات المتحدة، وبدأ تنفيذه فعليا في العام 2011، وتعهد البلدان بموجب الاتفاق بالتخلص من 34 طنا من البلوتونيوم، من أصل 95 طنا بالنسبة للمخزون الأمريكي، والتخلص من الكمية نفسها بالنسبة لروسيا، التي تمتلك 128 طنا، وبحسب خبراء فإن 68 طنا من البلوتونيوم تكفي لصناعة 17 ألف قنبلة نووية.

ثم كانت الخطوة الأخيرة المثيرة باستدعاء المسئولين الروس من الخارج، وندبهم للعودة إلى روسيا سريعاً وعائلاتهم، وحث المواطنين الروس على العودة، وإعداد تدريبات للدفاع المدنية للمواطنين الروس في إعداد واضح لحرب نووية، وتحدث وزراء في الحكومة عن مخابئ قادرة على احتواء جميع سكان موسكو الـ 12 مليون. في تهييج وحشد تعبوي غير مسبوق منذ أيام الحرب العالمية الثانية .

لماذا العالم على حافة الهاوية؟

غير الصراع الجيوسياسي المحتدم بين أمريكا وروسيا، يوجد العديد من محفزات الصراع في العالم بحيث أنه على وشك المواجهة الشاملة، من أبرزها:

اشتعال بؤر التوتر الثابتة:

حيث تشير التقارير والمعلومات إلى اتساع رقعة النزاعات وبؤر التوتر في سائر أنحاء العالم، وحاليا توجد أكثر من 70 نقطة توتر موزعة على مختلف بقاع العالم، حيث يتكون العالم من ستة قارات، تنقسم على أساس الاعتبارات الجيو – سياسية إلى أقاليم رئيسية، وأقاليم فرعية، وأقاليم أصغر، وتأسيسا على ذلك تتوزع النقاط الساخنة.

غير أنه ليست كل هذه النقاط ملتهبة، حيث توجد الكثير من النقاط الساخنة الثابتة، وهي تضم مجموعة الصراعات ذات الطبيعة الجامدة والصراعات ذات الطبيعة الحركية المحدودة والتي لم تهدأ، وفي نفس الوقت لم تتصاعد ضمن وتائر أكبر. هذه النقاط الملتهبة تتصف بعدم الحركية، وبكلمات أخرى، فهي تشبه إلى حد بعيد البراكين الخامدة غير الناشطة، وبالتالي إذا تغيرت الأوضاع لما أفرز ظروفا جديدة، فمن الممكن أن تتحرك هذه النزاعات، بحيث في حالات تزايد التأثيرات السلبية، فإن تزايد سخونة هذه النقاط سوف يدفع باتجاه تدهور الأوضاع، وما هو حدث بالفعل في ظل ازدياد وتيرة محفزات الصراع فيها أو قل زيادة النشاط البركاني فيها، بفعل تزايد التوتر الدولي، وتفاعل القوى الدولية نحو التصعيد والمواجهة.

سيطرة اليمين العنصري في العالم:

موجة يمينية فاشية نازية تجتاح العالم، شرقا وغربا، تنذر باحتدام الصراع الدولي، وارتفاع محفزات الصراع في الكثير من بقاع العالم، هذا ما يبدو من أحداث وانتخابات العام الماضي.

ففي فرنسا برزت السياسية الفرنسية مارين لوبِن زعيمة حزب الجبهة القومية وفازت بـ25% في انتخابات البرلمان الأوروبي، وهي الآن الوجه الأبرز في انتخابات الرئاسة المقبلة التي ستجري عام 2017 رغم عدم انتمائها للأحزاب الكبرى التقليدية.

وفي السويد نجح السويديون الديمقراطيون، وهو حزب اليمين المتطرف أيضًا، في دفع البرلمان السويدي لإعلان أول انتخابات مبكرة في الخمسين سنة الماضية.

وفي روسيا يقوم بوتين بتدشين خطاب قومي معادي ومتطرف، كما يدعم بالأموال حركات اليمين المتطرف في أوروبا نظرًا لوقوفها بوجه مشروع الاتحاد الأوروبي كما هو معروف، علاوة على ميليشياته الموجودة بشرق أوكرانيا، والتي يتم حشدها أيضًا بالأيديولوجيا القومية الروسية، وأحلام رسم نوفوروسيا أو روسيا الجديدة لتمتد حدود روسيا بشرق أوروبا وتضم كافة الروس. وحتى أوكرانيا التي يتصدر المشهد العسكري فيها بوجه روسيا كتائب أزوف، وهي مجموعات لا تخجل من الإفصاح عن ميولها النازية وتتمتع بدعم الرئيس بترو بوروشينكو.

وعلى الناحية الأخرى من الكوكب، وحيث يظن البعض أن أهل آسيا بعيدون عن تلك الموجة اليمينية، ففي الانتخابات الهندية الأخيرة ينتخب أكثر من 300 مليون هندي الزعيم القومي الهندوسي المتطرف مودي المنتمي لحزب الشعب الهندوسي المتطرف، في أكبر انتصار لليمين الهندوسي في تاريخه.

كما تظهر اليابان بقوة على خريطة حركات اليمين المتنامية بل والحاكمة أيضًا، فرئيس الوزراء اليميني شينزو يحكم بعد انتخابات مبكرة فاز فيها العام الماضي، وهو ممن يرغبون بمراجعة تخلي اليابان عن دورها العسكري بعد الحرب العالمية الثانية، كما أن حكومته تضم 15 عضوًا من حركة نيبون كايجي القومية، وهم من أنصار عدم الاعتذار عن جرائم طوكيو ضد الإنسانية أثناء احتلالها لكوريا وسواحل الصين في الحرب العالمية الثانية.

وفي اليونان حزب الفجر الذهبي، وفي هولندا حزب من أجل الحرية، وفي إيطاليا حزب الخمس نجوم، وفي بلجيكا حزب المصلحة الفلاندرية، وفي النمسا حزب الحرية، وفي المجر حركة يوبيك الحركة من أجل مجر أفضل هي الحركة الفاشية، بل والنازية أيضًا، الأشهر الآن في أوروبا والأكثر شعبية في بلدها، وهي أحد أكثر الحركات اليمينية تطرفًا، فهي ترفض العولمة والرأسمالية، وترفض عضوية الاتحاد الأوروبي. ويعتبر وصول ترامب للسباق النهائي للانتخابات الأمريكية من أبرز علامات تنامي العنصرية في العالم.

اشتعال قلب الأرض:

إذا ذكر الجيوبوليتك أو الجغرافيا السياسية ذكر السير هالفورد ماكندر (1861 ـ1947)، إذ كانت نظريته (قلب الأرض) في الجيوبوليتك من أهم ما كتب منذ ذلك الوقت إلى وقتنا الحالي، حيث يقسم ماكندر في نظريته العالَمَ الذي يجمع ما بين اليابسة والماء إلى ثلاث مناطق: منطقة القلب، منطقة الهلال الداخلي، ومنطقة الهلال الخارجي، المنطقة التي اختارها ماكندر لتكون قلب العالم هي جزء من اليابسة لا يتصل بالماء وتمتاز جغرافيا بالحصانة الطبيعية وكانت تاريخيا تغزو ولا تُغزى، ومن يسيطر عليها يسيطر على العالم. ويمتد قلب الأرض من حوض نهر الفولغا غرباً وحتى سيبيريا شرقاً وقلب إيران والعراق والجزيرة العربية جنوباً، وهو إقليم يضم أرضاً متصلة بلا انقطاع تبلغ مساحتها (21) مليون ميل مربع، ويجمع بينها سهولة التضاريس، والصرف الداخلي للأنهار (استحالة غزوها بحرياً) وسيادة الحشائش. وهو إقليم واسع جداً كأنه قلعة طبيعية، يمتلك موارد زراعية ومعادن وغابات ومراعي تكفيه وتفيض عن حاجته.

هذه النظرية في الجغرافيا السياسية كانت المبرر الرئيسي للامبريالية الاستعمارية والتي سعى من خلالها منظرو العالم الغربي واستراتيجيوه إلى الزحف على الشرق واحتلاله واستعماره بدءا من بريطانيا وفرنسا ثم الولايات المتحدة الأمريكية الوريث الشرعي للحقبة الاستعمارية ولتلك الامبرياليات التي خاضت حروبا دامية ومهلكة من أجل السيطرة على قلب الأرض. معظم بؤر التوتر في العالم اليوم تقع في إقليم قلب الأرض؛ شبه جزيرة القرم، أوكرانيا، جورجيا، أرمينيا، إيران، تركيا والأكراد، العراق، سوريا، اليمن، وأخيراً القضية التاريخية؛ القضية الفلسطينية.

غير أن الملف السوري هو المحفز الأقوى لاشتعال مواجهة عالمية عابرة للحدود بين روسيا وأمريكا، ولكن بنظرة فاحصة لسياسات البلدين واستراتيجياتهما القتالية نجد أن فكرة الصدام العالمي قد تكون مستبعدة، وأن الطرفين يطبقان سياسة حافة الهاوية برفع مستوى التوتر بين البلدين لنفس مستوى التوتر أيام أزمة الصواريخ الكوبية سنة 1961، والتي حبس العالم وقته أنفاسه تحسباً لوقوع حرب عالمية جديدة، في حين مرت الأزمة بسلام وتراجع الروس وقتها وسحبوا الصواريخ من كوبا. وبالمحصلة فإن التحليلات والمعطيات الواردة أعلاه تفيد أن ترويج روسيا لاندلاع حرب عالمية لا يعدو أن يكون تخويفا للدول الإقليمية، وأن روسيا جاهزة ومستعدة للحرب في أي وقت، في حين أنها تدرك أن الولايات المتحدة لن تقدم على عمل عسكري مباشر في سورية وهذا ما أكده سيرجي لافروف في أحد تصريحاته. وأن أمريكا لن تدخل في حرب شاملة مع روسيا أو حتى مع أي قوة مناهضة لها في العالم، إلا في حال التهديد المباشر لنفوذها في الشرق الأوسط وفي أي مكان في العالم، أما في حالة بقاء منظومة نفوذها في المنطقة تعمل وتوفر لها درجات مقبولة من الأمن والعائدات، فهي لن تتدخل في صراعات في دول المنطقة تدخلها في مستنقع تهدر بها طاقاتها، وتشتت تركزها نحو القضية المستقبلية الأهم؛ بحر الصين الجنوبي.

شريف عبد العزيز

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>