من موانع اتباع الهدى في القرآن الكريم 1


لقد تناولنا فيما سلف مفهوم ضميمة « اتباع الهدى »، وشرطيته في حصول الاهتداء، وبعض من آثاره …

وفي هذا المقال نقف على بعض من  موانع  « اتباع الهدى » التي وردت في كتاب الله تعالى. وليس قصدنا هنا أن نتناول جميع الموانع والمعوقات التي تحجز عن اتباع الهدى بمفهومه العام، أي؛ الهدى بمعنى الإيمان والدين والشريعة والقرآن وما جاء به الرسل….فهذا مما لا يسعه المقام.

لكن سنقتصر على بعض السياقات القرآنية التي ذكرت فيها ضميمة « اتباع الهدى »، أو لفظ الهدى صراحة، ثم ما ذكر في ذات السياق -صراحة أو استنباطا-ـ مما هو مانع من اتباع الهدى أو الاهتداء؛ تتميما لقضايا هذه الضميمة التي بدأناها من قبل.

وأول مانع يطالعنا في كتاب الله تعالى هو:

1 – الكفر والتكذيب بآيات الله:

وقد ورد ذلك في سورة البقرة المرتبة بعد سورة الفاتحة التي جوهرها ومركزها ذلك الدعاء العظيم؛ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (الفاتحة: 6)؛ الذي ألزمنا الله به سبع عشرة مرة في اليوم في صلاتنا. وقد حظي مفهوم الهدى في سورة البقرة باهتمام كبير.. إذ ورد لفظ الهدى بمختلف مشتقاته ما يقرب من ثلاثين (30) مرة؛ لتتناغم مع ذلك الدعاء وتتجاوب معه؛ فتضيء للمؤمنين طريق اتباع الهدى، وتزيح من أمامهم موانعه وعوارضه.

قال تعالى: قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (البقرة: 38).

قال ابن جرير الطبري: وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ يعني: والذين جحدوا آياتي وكذبوا رسلي.

وآيات الله: حججه وأدلته على وحدانيته وربوبيته، وما جاءت به الرسل من الأعلام والشواهد على ذلك، وعلى صدقها فيما أنبأت به عن ربها»(1).

وقال الدكتور وهبة الزحيلي: « ودلت الآية على أن الذين لم يتبعوا هدى الله، وهم الذين كفروا بآيات الله اعتقادا وكذبوا بها لسانا جزاؤهم الخلود في جهنم بسبب جحودهم بها وإنكارهم إياها… » (2).

فالكفر أصل موانع الهداية ورأسها؛ فبسبب إقامتهم على الكفر والتكذيب بآيات الله لم يتبعوا هدى الله، ولو أنهم آمنوا وصدقوا لاتبعوا الهدى، لكنهم لما لم يؤمنوا اعتقادا ولم يصدقوا لسانا، فقد امتنعوا من اتباع الهدى عملا.

وورد الكفر والتكذيب بالآيات في القرآن الكريم بالصيغة المذكورة وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا في سبع آيات موزعة على ست سور، خمس منها مدنية؛ هي قوله تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (المائدة: 10–86)، (الحديد 19)، وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (الحج: 57)، وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (التغابن: 10)، وواحدة مكية هي قوله تعالى: وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (الروم: 16).

وقد وردت جميعها في سياق بيان حال الفئة المؤمنة، المتبعة هدى الله الذي أنزله الله على رسله، وما ستناله من أجر عظيم وثواب جزيل، وما أُعِد لها من نعيم مقيم في دار النعيم، وبيان مآل الفئة الكافرة المكذبة بآيات الله ورسله المتنكبة هداه، وما ستلاقيه من حساب شديد وعذاب مهين في النار وبيس القرار كما تبين ذلك الخاتمة التي ختمت بها.

2 – الإعراض عن الذكر: قال الله تعالى: قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (طه: 123 – 124).

هذه الآية الكريمة شبيهة –إلى حد ما- بآية البقرة مبنى ومعنى، والاختلاف اليسير الحاصل بينهما هو من أسلوب القرآن في التنويع والمغايرة في التعبير عن المقصد الواحد بأساليب مختلفة، في بعضها زيادة وفي بعضها حذف وفي بعضها الآخر تخصيص… وهكذا.

وهذا التشابه يصل إلى حد التطابق في جزء منها، وهو قوله تعالى: فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ اللهم إلا في فعل « تبع » فإنه في آية البقرة « تبع » بالتخفيف، وهنا « اتبع » بالتضعيف، وقد قال صاحب البرهان في تشابه القرآن: إن تَبِعَ واتَّبَع بمعنى واحد وإنما اختار في طه « اتّبع » موافقة لقوله تعالى قبلها يتبعون الداعي لا عوج له(3).

وعلى هذا القول فإنه لا فرق بين آية البقرة و هذه الآية، وإنما الفرق في متعلقات أو مقابلات « اتباع الهدى » فهو في تلك « الكفر والتكذيب بآيات الله » وفي هذه « الإعراض عن الذكر ».

الإعراض عن الذكر في القرآن الكريــم:

ورد الإعراض عن الذكر في سبع آيات من القرآن الكريم.

قال تعالى: وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا (طه :99 – 101)، وقال جل من قائل: هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ (الأنبياء: 24)، وقال جل شأنه: بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُون (الأنبياء: 42)، وقال جل جلاله: بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُون (المؤمنون:71)، وقال تعالى: وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ (الشعراء: 5)، وقال تعالى: وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ نسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا (الجن: 17)، وقال تعالى: فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (المدثر: 49).

وقد فسر الطبري « الإعراض » بالتولي وعدم القبول والاستجابة والاتعاظ (4). وفسره الشوكاني بعدم تلاوة الكتاب، والعمل بما فيه وعدم اتباع هدى الله(5).

و »الذكر » في غالب هذه الآيات المقصود به القرآن الكريم؛ كما يستفاد ذلك من أغلب التفاسير، وانتماء هذه الآيات إلى مجال القرآن المكي يبين أن الإعراض عن الذكر من صميم المرحلة المكية ومن شيم كفار مكة.

وإنما اعتبرنا الإعراض عن الذكر (القرآن) مانعا من موانع اتباع الهدى لأنهم لما أعرضوا عن القرآن وصدوا عنه امتنعوا من اتباع الهدى المضمن فيه، كما وصفه الله تعالى بقوله: ألم ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (البقرة: 1 – 2)، وبقوله: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ (الإسراء: 9)، فمن لم يومن به فكيف يتبع الهدى الذي فيه؟، قال تعالى مبينا موقفهم الجاحد له: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ (سبأ: 31)، ومن لم يَصِخْ سمعه له فيستمع وينصت ويتدبر، كيف له أن يحصل هداياته ورحماته، ويصيب قلبه شيء من غيثه فيرتوي ويهتز ويربو ويشع بالإيمان؟

هذا القرآن الذي سلب ألباب البلغاء، وأخرس ألسن الفصحاء، وأسر قلوب النبغاء، فلم يستطيعوا إلى مماثلته سبيلا، ولم يملك من في قلبه قليل من نور، أو بذرة من لاهتداء إلا أن يسلِّم له ويُسْلم الزمام لمن جاء به فيتبع الهدى الذي جاء به طائعا مختاراً.

لكن من قست قلوبهم، وعليها أكنة، كادوا له ولمن جاء به، واتهموه بالكذب عليهم بهذا القرآن كما حكى الله تعالى ذلك بقوله: أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ  بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (يونس: 38 – 39)، كما اتهموه بأنه وحي من شياطين توحي به إليه…الخ. فانبرى الله لهم وفند مزاعمهم وتحداهم بقولـه: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (الإسراء: 88).

ولما يئسوا من قدرتهم على معارضته ومحاكاته ومسايرته؛ تواصوا بينهم بأن يعرضوا حتى عن سماعه، قال تعالى واصفا حالهم: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (فصلت: 26). وهذا منتهى الإعراض.

د. خالد العمراني

———

1 – جامع البيان 1/797.

2 – التفسير المنير 1/143.

3 – البرهان في متشابه القرآن (ص: 121).

4 – جامع البيان 16/225.

5 – فتح القدير 3/391.

(يتبع)


اترك تعليقا :

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *

Commentaire sur “من موانع اتباع الهدى في القرآن الكريم