افتتاحية – في الحاجة إلى تجديد خطاب الدعاة وتجويده


الدعوة إلى الله جل وعلا هي الوظيفة المستمرة في تاريخ البشرية التي لا تتوقف وإنما تتكيف، وتتكامل مقاصدها ووسائلها ولا تتآكل، والأصل أن تزداد انتشارا ولا تزداد انحسارا وانحصارا.
وخطاب الدعوة إلى الله تعالى هو الخطاب الضروري لصلاح كل إنسان وكل مجتمع؛ الصلاح الحقيقي الممتد نفعه للدنيا والآخرة وللفرد والمجتمع، وفي العاجل والآجل، فإذا كان العنصر المادي لازما لحياة الأبدان ولاستقرار المجتمعات فإنه يظل غير كاف تماما لاستقامة الحياة وصلاحها ما لم يتوجه ذلك بالتربية على القيم والفكر السليم والتعبد الصحيح لله تعالى، وهذه المقومات لا يمكن أن توجد من تلقاء ذاتها، بل لابد من وجود عمل متواصل بالليل والنهار من قبل رجال نذروا حياتهم لله جل وعلا، وتفرغوا لنشرالعلم والخير والصلاح.
ولم ترتقِ أمة إلى المراتب الحضارية العليا إلا بفضل رجال تَهَيَّؤوا وهُيِّئوا فكانوا القدوة الحسنة في التشبث بقيمها ومبادئها، وكانوا نماذج شبه خيالية في التضحية والتفاني في العمل بتلك القيم وتبليغها.
وفي تاريخ البشرية مثَّل الأنبياء والرسل المثل الأعلى في الدعوة إلى الخير والإصلاح؛ قال تعالى مخاطبا رسول الله : فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل} (الأحقاف: 35)؛ لأن حمل الرسالة يحتاج إلى صبر واقتداء بنماذج سابقة، كما كان في تاريخ الأمة شواهد عديدة من الرجال والدعاة والعلماء والتجار والقواد من مختلف القطاعات والتخصصات وفي كل الأمصار والأعصار، حملوا أمانة الدعوة إلى الله  حملا أمينا تجلت فيه عبقرية الإبداع تجديدا وتجويدا، وأسطورة التضحية إحسانا وتحسينا تجلت آثاره في صلاح الأمة ورقيها. وما انحسرت الأمة وتراجعت مكانتها إلا يوم تناقص عدد دعاتها كما وكيفا، عددا وعدة.
تناقص عدد الدعاة في الأمة مقارنة مع تزايد الحاجة إلى التربية والتغطية الشاملة والكاملة لجميع التخصصات والقطاعات، فلو تأمل المرء لوجد الخصاص المهول في كل قطاع.
تناقص نوع التكوين العلمي والتربوي للدعاة ولم يعد هذا التكوين قمينا بإنتاج الدعاة العلماء ذوي الرسوخ في العلم والحكمة، وذوي البصيرة النافذة في دفع الغُمة ورفع الهِمة، وفي تنزيل أحكام الدين في الحل والحرمة، وفي هداية النفوس لإخلاص العبادة لله تعالى رب كل نعمة ورحمة.
وكان من الطبيعي أمام هذا التناقص في مقابل تزايد نمو المجتمع وتزايد عدد مشكلاته أن تظهر مختلف الأمراض وتتافقم مخاطرها وتصيب جهاز الدعاة بشتى الأمراض حتى كاد أن يكون عقيما.
إن الأمة اليوم وهي مقبلة على فجر جديد لابد أن تجعل من أولوياتها الكبرى المسألة التربوية والتعليمية، وعلى رأس أهداف التربية ومقاصدها تكوين المربين ذوي العلم والبصيرة والدعاة ذوي الحكمة والغيرة وإن ذلك ليتطلب أمورا منها:
جعل مواد الوحي وعلومه الشرعية على رأس مواد التعليم في كل أنواع التعليم العام والخاص، وفي كل الأسلاك التعليمية من الروض إلى الدراسات العليا، وفي كل التخصصات الإنسانية والعلمية والتقنية، فلا ينبغي أن يستثنى من ذلك أحد، ولا يستثنى أيضا تخصص ولا قطاع ولا مرحلة.
وهذا مطلب أساس وعليه يتوقف إصلاح ما عم البلاد والعباد من صور الأرجاس والإفلاس، وبإجادة تطبيقه وتجويده تزكو النفوس والأنفاس.
تأهيل المربين والدعاة في كل قطاعات المجتمع التعليمية والقضائية والإعلامية والأسرية والأمنية تأهيلا من شأنه أن يُبَلّغ دعوة الله  إلى كل قطاع وفئة بما يناسب مشكلاتها وطبيعتها، ويجعل من المسلم ليس موظفا توظيفا ماديا فحسب، وإنما موظف رسالي يحمل التربية والدعوة والإصلاح أينما حل وارتحل: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَىٰبَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (يوسف: 108).
تجديد خطاب الدعوة وتجويده؛ تجديدا يناسب العصر في تطوراته الفكرية والعلمية والمذهبية وفي تقدم وسائله التقنية، وتجويدا يراعي تحسين خطاب الدعوة والارتقاء به إلى مستوى النفاذ إلى عمق مشكلات الفرد والمجتمع وحلها الحل الأنجع ومعالجتها المعالجة الأنفع.
توسيع دائرة انفتاح خطاب الدعوة داخليا وخارجيا؛ فالانفتاح الداخلي ينبغي أن يعم نفعه جميع أفراد المجتمع وشرائحه، أما الانفتاح الخارجي فينصرف فيه الهم إلى تكوين دعاة ذوي رؤية حضارية عالمية تمكن الإسلام من النفاذ إلى كل العقول والقلوب، وإلى كل الأمم والشعوب نفاذا عاما وشاملا تتحقق به الخيرية والرحمة للناس التي بعث بها ومن أجلها رسول الله وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ (الأنبياء: 107)، وكلف بها العلماء والدعاة من بعده فقال جل وعلا: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (آل عمران: 104) وقال تعالى: وَالْعَصْر ِإِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْر ٍإِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْر (العصر).
ألا ما أحوج الأمة الإسلامية اليوم في كل بلدانها إلى ترشيد خطاب الدعوة، والتعاون على تجديده التجديد الباني، وتجويده التجويد المؤهل للشهود الحضاري!

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>