خطبة منبرية ـ الوعي وحسن التصرف 1


الخطبة الأولى:
وبعد، عباد الله: إن المؤمن الحق هو ذلكم الإنسان الموفَّق الذي آمنَ بربِّه جل وعلا، وصدَّق برسوله ، وجعلَ القرآن الكريم إمامه، والإسلامَ قائدَه ودليلَه إلى فعل الخيرات وترك المنكرات، وإلى الاستكثار من الحسنات، واجتناب السيئات، وجعل من هذا الشعور المُتكامِل مِعيارًا يميزُ به الحق من الباطل، والخير من الشر، والبِر من الفجور، والخبيثَ من الطيب، والحَسن من القبيح. وهو الذي يمتلك من الرغبة والمبادرة ما يقبل بهما على الخير والصلاح بتوفيق من الله سبحانه وتعالى، وهو الذي يتوفر على الحكمة وعنده من الأناة ما يتَّقي بهما السوءَ قبل وقوعِه بفضل من الله . وهذا ما يمكن أن نسميه بالقدرة على حسن التصرف.
ولو تأمَّلنا السرَّ الكامِن وراءَ حُسن التصرُّف عند المرء، لوجَدنا أن ذلك سببه ما يتصف به من الفطنة واليقظة والوعي، وهي خصال ونعوت وصفات تتجلَّى في سلامة الفهم وقوة الإدراك ودقَّة الملاحظة وحسن التمييز بين الصواب والخطأ، وبين الخيال والواقع، وبين الوهم والحقيقة، وبفضل ذلك كله يصبح المرء قادرا على قراءة ما بين السطور، ووضع النُّقط على الحروف؛ من خلال النظر بعين البصيرة إلى الأحوال، والاستماع بالأذن الواعية إلى الأقوال، لأن الوعيَ أمرٌ يزيد على مُجرَّد السمع ويتعدى حدود الإبصار، فما كلُّ من يُبصِرُ يعي ما أبصر، وما كلُّ من يسمَع يستوعب ما سمِع؛ والله  يقول في محكم تنزيله: لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذْنٌ وَاعِيَةٌ (الحاقة: 12).فالوعيُ مرتبةٌ أعلى من مرتبَة الإحساس السمعيِّ والإدراك البصريِّ، ولهذا قال النبي : «نضَّر اللهُ امرءًا سمِع مقالتي فوعاها»؛ رواه الترمذي وغيرُه.
عباد الله: إننا في زماننا هذا الذي اختلط فيه الحابل بالنابل، وعمت فيه الفوضى الفكرية والثقافية وحتى التربوية، وتعددت فيه المفاهم القيمية، واختلفت فيه المعايير الأخلاقية، وتنوعت فيه الأشكال والمظاهر والقناعات والمرجعيات، وغابت فيه أسس الحياة المجتمعية من محبة ومودة، وتعاطف وتراحم وتضامن وتعاون، وذابت فيه مقومات الإنسانية وركائز البشرية من صدق وإخلاص، ونصح وعدل وإنصاف، وتَهدَّم فيه صرح البناء الحضاري، إننا في هذا الزمان أحوجُ ما نكونُ فيه إلى ضرورة استثمار جانب الوعيِ والإدراك فينا، وإحياء مشاعر اليقظة، وإيقاظ حس الفطنة، حتى نعرف كيف نحسن التصرف مع كافة الناس الذين كثُر فيهم الغشُّ والزور، وانتشر فيهم الكذب والبهتان، وذاع فيهم المكر والخداع، ورمى بعضُهم البعضَ بالباطل وتبادلوا فيما بينهم التهم والأباطيل تشويها لسمعتهم، وتدنيسا لصورتهم، وشاعَ بين عمومهم التدليسُ والتلبيسُ في كافَّة جوانب الحياة سواء كانت دينية أو دنيوية، (فمن الناس من تجرأ على الله وتمرد على الدين باسم التقدم والتطور والتفتح والتحرر حتى بدلوا في الأحكام وغيروا في المفاهيم فاعتبروا الكفر دينا، وأطلقوا على الخمر مشروبات روحية، ووصفوا الزنا بالعلاقة الحميمية والإرضائية، والربا بالفوائد البنكية، والرشوة بالحلاوة والقهوة، والشذوذ الجنسي والعراء والتبرج بالحريات الفردية، ونعتوا الحجاب بالرجعية والتخلف، والالتزام بالغلو والتطرف، وتجد هؤلاء يجدون ويجتهدون ويتفانون ويستميتون من أجل ترويج آرائهم وتثبيت معتقداتهم لأنهم مقتنعون بأفكارهم ويدافعون عن قناعاتهم، ويرون أنهم على حق ومعهم الصواب، ومنهم من لجأوا إلى الدين ينشدون فيه ضالتهم، من صلاح أحوالهم وإصلاح من حولهم، لكن بعضهم كان فهمهم للدين ناقصا، وبعضهم كان فهمه للدين سيئا، وبسبب ذلك انحرف عضهم عن القصد وزاغ بعضهم عن الصواب، فتصرفوا حسب فهمهم وعلمهم، فهناك من اعتبر ممتلكات غير المسلمين غنيمة فاستباح أموالهم وأعراضهم، ثم إن ما يشهده العالم اليوم من إزهاق للأرواح وإراقة للدماء في صفوف المسلمين سواء من طرف المسلمين أو غير المسلمين لمِمَّا يبعث على مشاعر الحسرة والأسى والألم، فهل هانت على المسلمين دماؤهم فيما بينهم، وهل إلى هذا الحد أصبحت دماء المسلمين رخيصة عند خصومهم وأعدائهم).
عباد الله: في ظل هذا الواقع المليء بالمتناقضات، فإن الوعي سلاحٌ منيعٌ يحميكَ -أيها المؤمن- بعد الله تعالى من أن تقعَ ضحيَّة غشٍّ أو خِداعٍ أو غفلةٍ، أو أن تُجرَّ إلى مغَبَّةٍ لا تحمدُها لنفسِك، أو أن تلقي بنفسك في تهلكة تؤذي بها نفسك أو تفقد بها أهلك وأولادك وأحبابك، أو تُضيع بها متاعك وأموالك في دنياك، أو تخسر بها آخرتك وتجلب بها سخط ربك والعياذ بالله.
والمؤمنُ الواعِي محميٌّ -بإذن الله- عن مثلِ هذه العثَرات؛ لأن النبي قال: «لا يُلدغُ المؤمنُ من جُحرٍ واحدٍ مرتين»؛ رواه البخاري ومسلم.
والوعيُ هو أعمقُ من مُجرَّد التصوُّر الظاهر للأمور؛ لأن هذه الأمور الظاهرة يمكن أن يعترِيها شيءٌ من التزويق والتزوير، ولبس الحق بالباطل، وتشويه الحقائق بإخفاء العيوب والمساوئ وإظهار المحاسن، فيكونُ ذلك سببًا في إصدار حكم خاطئ على الشيء، وبالتالي فإن التعامل مع هذا الشيء يكون خاطئا بناء على الحكم الخاطئ الذي صدر عنه، ولهذا كان الوعيُ سببًا قويا في إثبات الحقِّ وهو أقوى من مُجرَّد صورةٍ بدَت ظاهرةً لكنها مُزوَّرة. جاء في “الصحيحين” أن امرأتين خرجَتا على سليمان وقد اختلفَتا في ابنٍ معهما، كلُّ واحدةٍ تدَّعي أنه ابنُها. فقال : ائتُوني بالسكِّين أشُقُّه بينهما، فقالت الصغرى: لا تفعل، يرحمُك الله، هو ابنُها، أي: ابن الكبرى. فقضَى به للصغرى، أي: حكمَ به لمن رفضَت شقَّه بالسكِّين، مع أنها أقرَّت أنه ابنُ الكبرى، ولكنه وعَى حقيقةَ الأمر ولم يأخذ بإقرارها الظاهِر، وهو كما قيل: “سيدُ الأدلة”؛ لأنه لو كان ابنًا للكُبرى لما رضِيَت الكُبرى بشقِّه بينهما نصفَيْن.
فاللهم نبهنا من غفلتنا، وأيقظنا من غفوتنا، وارزقنا اللهم آذانا صاغية، وقلوبا واعية حتى نرى بفضلك الحق حقا وتوفقنا إلى اتباعه، ونرى برحمتك الباطل باطلا وترزقنا اجتنابه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، ويرحم الله عبدا قال آمين.
الخطبة الثانية:
الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على نبي الرحمة والهدى ورسول السلام سيدنا محمد خير الأنام وعلى آله وصحبه الكرام.
وبعد، عباد الله: إن الوعي ليس عبارةً فلسفيَّة، ولا ترفًا فكريا، وإنما هو فهم عقلي، وإدراك روحي، وشعور قلبي، وإحساس باطني، ينالُه المرءُ بالجِبِلَّة والفطرة والطبع تارةً، ويكتسبه بالدربة والدُّراية والممارسة والخبرة تاراتٍ أخرى، وهو صفةٌ مُساندةٌ للعلم ومُكمِّلةٌ له، فبالوعي تصِل إلى الحقيقة وتُحيطُ بما يدورُ في عالَمك من أحداثٍ وإن اعتراها شيءٌ من التحريف.
وبالوعيِ يعرفُ المرءُ متى يُصدِّق الشيءَ ومتى يُكذِّبُه. وبالوعيِ يُدرِكُ المرء من يستعينُ به ومن يستغِلُّه، وبالوعيِ يتعرف على من ينصحه أو يخدعه، وعلى من يتحرى الصدق أو من يلجأ إلى التزويق والتنميق، وبالوعي يعرفُ المرءُ متى يكونُ الكلامُ خيرًا، ومتى يكونُ الصمتُ خيرًا له، فيختار الكلام المناسب في الوقت المناسب، ويختار الشخص المناسب في الوقت المناسب.
والوعيُ ليس إعمالاً لسوء الظنِّ، ولا تكلُّفًا لما وراء الحقيقة، وهو كذلك ليس رجمًا بالغيب، ولكنَّه كياسةٌ وفِطنةٌ ناشئتان عن سَبْر الأمور ومعرفة أحوال الناس، واطِّلاعٍ وافرٍ عن الأحداث، بالنظر الدقيق الذي لا يُغالِطُه غرور ولا يخالطه إغراء. وإنما هو في حقيقته سلاحٌ قد تحتاجُه للهُجوم وقد تحتاجُه للدفاع، وأكثرُ ما يُوقِعُ المرءَ فريسةً للمكر والخِداع قلَّةُ وعيِه أو عدمُه بالكليَّة، ورحِم الله الفاروق عمر بن الخطاب حيث قال: “لستُ بالخِبٍّ ولا الخِبُّ يخدَعُني”.
فلنحرص جميعا -أيها المسلمون- على أن نكون لبِنةً واعيةً من لبِنات المُجتمع؛ لكي نُحسِن المسيرَ، ونُتقِنَ العمل والتعامُل من أجل النُّهوض بالمُجتمع والأمة من السيِّئ إلى الحسن، ومن الحسن إلى الأحسن، والحذر كل الحذر من العُزلةَ المقيتة عن أمور المُسلمين؛ فإنها تحجُبُنا عما هو خيرٌ لنا في دينِنا ومعاشِنا، وتقضِي على كلِّ مُقوِّمات الوعيِ الناشِئِ من المُخالطَة ومعرفة أحوال الناس وأيامهم، قال رسول الله : «المؤمنُ الذي يُخالطُ الناسَ ويصبرُ على أذاهم خيرٌ من الذي لا يُخالطُ الناسَ ويصبِرُ على أذاهم»؛ (ابن ماجة).
والأمة بمجموعها لا تكونُ واعيةً إلا بوعيِ أفرادها، فهم فكرُها اليقظ، وقلبها النابِض، وبصيرتُها المتفتحة، وبوعي الأفراد ترقى الأمة إلى معالِي الأمور؛ والأمة إذا وعَت فقد أدركَت ما لها وما عليها بين الأُمم الأخرى، وعرفت أن مواطن قوتها تكمن في مبادئها الدينية، وقيمها الأخلاقية، وخبرتها السياسية ومكانتها الاقتصادية وطاقاتها البشرية وكفاءاتها العلمية وركزت جهودها من أجل استثمار مكتسباتها لتثبيت مقوماتها والاعتزاز بهويَّتها، والاستِعداد الدائِم لسدِّ الثَّغَرات والقضاء على الخلافات، وبقدرِ وعيِ أمَّتنا يُمكنُ إجادةُ التعامُل مع الأحداث وتخطي العقبات وتجاوز الأزمات والتخلص من كل المؤثرات النفسية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي يمكن أن تهدد أمنها واستقرارها، والأمةُ الواعيةُ لا تُخدَع ولا ينبَغي لها أن تُخدَع ما دامَت قائمةً على أهمِّ مُقوِّمات وعيِها، وهي: دينُها، وعدلُها، وأخلاقُها، وعلمُها.
فاللهم اجمع شملنا، ووحد صفوفنا، وألف بين قلوبنا، وجنبنا اللهم أسباب التفرقة والاختلاف، واهدنا يا ربنا إلى أسباب المحبة والمودة والائتلاف.

ذ. إدريس اليوبي


اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

One thought on “خطبة منبرية ـ الوعي وحسن التصرف

  • عبد الهادي الزراع

    رحم الله فقاءنا الأجلاء وحفظ من بقي منهم .
    أقول وبالله التوفيق : إننا في حاجة للعلم الشرعي في هذا الزمن أشد من حاجتنا إلى ما سواه وضياء هذه الحياة ونورها هم العلماء فجزاكم الله عن الأمة الإسلامية خير الجزاء