لآلئ وأصداف – ساعة أخرى مع مولود معمري 3


3 – شكر النّعمة: في مشهد مكمّل ومؤثر، وبعدما يُقتلع الزيتون، ويهدّد العميل أهل القرية بالجوع، يبدأ في تعذيبهم نفسيا أيضا، فيحمل خبزا روميّا أبيض، ويقف مخاطبا طفلا من أطفال القرية، وهو يقضم من أطراف الخبز: أنت جائع؟ ثم يقذف بالخبز على الأرض، ويأمر الطفل قائلا: هيّا كُـلْ. يتقدّم الطفل في تؤدة، وهو يقلّب بصره بين الخبز والعميل، ثم يلتقط الخبز من الأرض، ولكنه بدلا من أن يأكل، يمشي رويدا رويدا، إلى أن يصل إلى أصل جدار، فيقبّل الخبز، ويضعه باحترام عند أصل الجدار. وتلك عادة أهل البلد في عدم الاستهانة بشيء من نعم الله تعالى على عباده. ويكفي أنّ الشعب يطلق على الخبز لفظ: «النعمة».
4 ــ بين الخطيئة والتوبة: كما تبيّن، فإنّ حضور الخونة والعملاء قوي. وفي كل مشهد من مشاهد هذا الحضور عبرة وتوجيه، لتنتهي تلك المشاهد بتوبة بعضهم، توبة يكون الدافع إليها اكتشاف أنّ الشعب كله على قلب رجل واحد، وأنّ كلمة «الله أكبر» هي مفتاح كل حركة من حركاته. ويُبرز ذلك أيضا كيف أنّ بعض الضمائر قد يرين عليها الرّان فترة من الدهر، ثم تستيقظ وتتوب إلى الله تعالى من الخطيئة.
بلعيد، أحد الخونة، قضى عشرين سنة في باريس، ثم عاد ليصير عوناً للمستعمر. الطيب أيضا عميل لفرنسا. يجمع أهل القرية ليخبرهم أنّ الفرنسيين هنا في البلد ليحموهم، ولكن عليهم أن يتعاونوا معهم، لمواجهة «الفلّاقة».
ظلّ الطيب مخلصا للفرنسيين، وكان أشدّ على إخوانه الجزائريين من الفرنسيين أنفسهم، وذلك من أجل مكاسب مادية خسيسة. هو قاسٍ على المرأة العجوز، وقاس على «فرّوجة»، الزوجة الصابرة التي التحق زوجها بالمجاهدين. قاسٍ على المعتقلين من أهل بلده، يعذبهم جسديا ونفسيا، وذلك عندما يمدّد شيخا وقورا على إحدى درجات السلّم، ليمرّ عليه إخوانه. وعندما يأتي دور فرّوجة تتخطى الشيخ، فيقول الطيب: وهذه الدرجة؟ ألم تريها؟
ومع كل ذلك، وعندما جيء بعليّ أسيرا، ثم قتل على عين أهل القرية، وارتفع التّكبير، حرّك التكبير ما سكنَ من مشاعره، وبدأت شفتاه تتحرّكان شيئا فشيئا مع تكبير الجماهير، ثم ما لبث أن انطلق مكبّرا بصوت منخفض، ثم ارتفع صوته شيئا فشيئا، حتى صار صوتا واضحا ضمن أصوات أهل القرية المرتفعة بالتكبير، وكأنّ صوت الحقّ هو الذي لابدّ من أن ينتصر في الختام.
5 ــ لا نصر إلا بالالتزام بتكاليف الإسلام، وتحري الحلال. فعندما يقع أحد المجاهدين أسيراً (يقوم بدوره سيد علي كويرات، الممثل القدير)، يحرسه ويرافقه جندي فرنسي (يقوم بدوره جان لوي ترانتينيون)،وفي الطريق يعرض الجندي الفرنسي على الأسير الطعام المعلّب. فيرفض الأكل قائلا: هذا لحم خنزير. ورغم أن الفرنسي يؤكد له أنه لحم عجل، كما هو مسجل على العلبة باللغة الإنجليزية،beef، وهي تعني العجل، والعجل في الدين ليس حراما، إلا أنه يصر على الرفض قائلا: لا إنه خنزير، وهو حرام في ديني. لا، لا آكل، إنّها خطيئة. فيقول الفرنسي: إذن فلنمت جوعا. ويلقي بالعلبتين بعيدا. فيقول علي: ولكن أنت… يمكنك أن تأكل… فيجيبه: لا، لا أستطيع أن آكل. يريد أنّه لن يأكل بمفرده.

د. الحسن الأمراني

اترك تعليقا :

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *