خروق في سفينة المجتمع 63 – خرق الفرنسة


خرق شرس وعنيد، يكتسي صفة الفيروس الذي يعربد في أرجاء سفينة الوطن، يصول ويجول بكل حرية، ينخرها نخرا ويقرضها قرضا، بلا 623046354شفقة ولا رحمة، وأنى له ذلك، بل وبصلف وشماتة، وتشف تعكسه نبرة كل من تولوا كبر زرعه في كل شبر من زوايا الوطن، وفي كل خلية من خلاياه، بقصد الإبادة والتخريب، إنه خرق الفرنسة الذي ظل يتسع على مدار الزمن، منذ أن حل المستعمر الفرنسي وغرس خراطيمه في جسم الوطن المنكوب بفقد سيادته ذات يوم مشئوم من أيام بالغة الحرج والسوء، وأنشب مخالبه وأنيابه في كل المفاصل والأعضاء، لتمزيق الأنسجة وامتصاص الدم وتجفيف ماء الحياة.
ولا يزال ذلك الخرق اللعين يتسع ويتسع حتى دخلت منه للسفينة مياه عارمة، أفسدت الكثير من محتوياتها الثمينة، وأتلفت ودمرت العديد من أجهزتها الأساسية، فباتت عاجزة عن السير والإبحار، إلا بالحد الأدنى مما هي مؤهلة له لو لم تُبْتَلَ بذلك الخرق الخطير.
وإذا كان خرق الفرنسة قد تسرب منه شر مستطير لكل الزوايا والأركان، مسخا وتهجينا، وإضعافا وتوهينا، فإن بؤرة ذلك الشر المستطير إنما تركزت في ميدان التعليم الذي طاله القسط الأوفر من مفعول الكيد والتدمير، وذلك لخصوصية ذلك الميدان واختصاصه بعملية الصياغة والبناء، لكل من يقعون تحت طائلته، وينضوون تحت لوائه. والأدهى والأمر في مثل حالة المجتمع المغربي، أو نموذجه المرضي الذي اكتسى طابع الإعضال، أن الخسارة التي يتكبدها، هي خسارة مزدوجة، والنزيف الذي ينخره نزيف مضاعف. ذلك أن فيروس الفرنسة الفتاك، يضطلع بوظيفة التعطيل والتعويق، ووظيفة المسخ والتشويه في نفس الآن، من خلال حركة رهيبة ينخرط في ركابها كل من ارتضوا لأنفسهم أن يكونوا معاول لهدم بنيان وطنهم، ممن استبدلوا بالولاء له وافتدائه بالغالي والنفيس، الولاء لقوى المستعمر وأزلامه، لقاء مصالح زائلة وأجر حقير.
إن الناظر بإمعان في معضلة التعليم في المغرب لا يمكن إلا أن يضع في قفص الاتهام بتخريب الوطن والعبث بمصير الأجيال، كل من سخروا أنفسهم لعرقلة جهود تعريب التعليم، بتمكينهم لمسلسل الفرنسة المشئوم الذي جر الويلات على المجتمع، وكان سببا في تبوؤ المغرب واحدة من آخر المراتب في سلم الترتيب العالمي في الميدان.
لقد ألقى المفرنسون أو الفرونكفونيون وراء ظهورهم بكل الحقائق والسنن التي ترجمتها تجارب الشعوب التي علا فيها صوت الحق، وانتصر منطق العقل وتغليب مصلحة الشعوب على مصلحة الانتهازيين والمزيفين.
إن الحلقة الأخيرة، وليست الآخرة، في مسلسل الفرنسة المشبوه، وهي فرنسة تدريس العلوم في المدرسة المغربية، تعتبر بحق جرما يضاف إلى الجرائم السابقة، التي أريد بها الإجهاز الكامل على « منظومة» خرقاء، هي أشبه ما تكون بشجرة منخورة جوفاء، إنه نكوص وانتكاس، بل إنه في حقيقة الأمر اتهام ضمني وصريح للغة العربية لغة القرآن بالعجز عن الاضطلاع بمهمة تدريس العلوم، واستصغار لشأن أمة خرج من رحمها الموسوم بلغة الضاد عباقرة ونابغون في مختلف العلوم، كالخوارزمي وابن الهيثم وابن النفيس، والخيام وابن سينا وابن رشد وأضرابهم.
وإلى أن يهيئ الله  للتعليم المغربي من يرد له اعتباره بتخليصه من براثن الفرنسة والمفرنسين، وإرجاعه، سالما غانما، إلى وعائه الأصيل، سيظل تعليمنا يشكو من الأعطاب، ويتخبط في أحابيل الأزمات، وستظل العربية التي تصد عنه صدا بشكل مشاكس وعنيد، تردد قول شاعر العربية المنافح عنها والراثي لحالها: حافظ إبراهيم رحمه الله:
رجعت لنفسي فاتهمت حصاتي
وناديت قومي فاحتسبت حياتي
رموني بعقم في الشباب وليتني
عقمت فلم أجزع لقول عداتي
ولدت ولما لم أجد لعرائسي
رجالا وأكفاء وأدت بناتي
وسعت كتاب الله لفظا وغاية
وما ضقت عن آي به وعظات
فكيف أضيق اليوم عن وصف آلة
وتنسيق أسماء لمخترعات
أنا البحر في أحشائه الدر كامن
فهل سألوا الغواص عن صدفاتي
أيهجرني قومي عفا الله عنهم
إلى لغة لم تتصل برواة؟؟
وصدق الله العظيم القائل: إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (يوسف:2).
فهل يعقل القيمون على منظومتنا التعليمية، ويتقون الله جل جلاله في الأجيال وفي مصير الوطن؟

د. عبد المجيد بنمسعود

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>