من أوراق شاهدة – جواري في غابة تسليع البشر 1


بين المحلات التجارية المثيرة الواجهات، وجدت ضياء نفسها تحمل قدميها من رفض مؤدب إلى رفض صريح معجون بالعجرفة وهي لا تمل من بسط حصير سيرتها كمجازة عاطلة عن العمل منذ سنوات .
في طريقها صوب الحافلة كسيرة رن هاتفها:
نحن شركة تجارية نبحث عن شابات متخصصات في التواصل وقد اطلعنا على سيرتك الذاتية، ننتظرك غدا للقاء ما قبل التوظيف.
ما حدث بعد ذلك كان أشبه بحلم أفاقت منه ضياء لتجد نفسها في مكتب تقتسمه مع نهاد الشابة الجميلة، المولعة بالملابس المكشوفة وزبناء بعيون متشابهة في نظراتها الوقحة. وكانت نهاد لا تدع فرصة الاختلاء بضياء دون تذكيرها بأن عملهما يتطلب شطارة وخفة للتأثيرعلى الزبائن، ودفعهم لعقد الصفقات والعودة لطلب بضائع الشركة… وكانت تشفع دروسها في فن التسويق بعروض مجترئة في فن الإثارة، بالخضوع في صوتها ترخيما وتكسرا ودلالا وتموجا في ذبذبات صوتها، وكانت ضياء تستمع إليها مشدوهة من حركات وإشارات تحيل المرأة إلى مجرد بضاعة ومعبر لبيع البضائع تحت ضغط التحرش الناعم الكاسح. أيسمى هذا علما أو فنا ما يجعل نهاد ترفع تنورتها إلى أعلى وتسحب قميصها إلى أسفل؟
ذات صباح وهي تصل باب الشركة لمحت حركة غير عادية وسيارات فخمة راسية بباب الشركة ..
شركاء لنا عرب جد أثرياء.. صفقتهم ستقفز بشركتنا إلى مصاف الشركات العملاقة، قالت نهاد، المدير التجاري ينتظرنا لنرافقهم إلى حفل العشاء الليلة … تجملي وتخففي قليلا من ملابسك أفهمت؟ ولم تتمالك ضياء نفسها فصرخت:
ولكن يا ضياء ما علاقة العري بمهارات التواصل .. ولماذا لا يتعرى الرجال للفوز بالصفقات إن كان للعري تأثير؟.. ولماذا يمر إقناع الزبناء عبر جسد المرأة يا نهاد؟ ..هل من الضروري أن نتعرى لإقناع الآخرين بحقوقنا وبجودة سلعنا ؟؟.
لا داعي لاتهاماتك الصريحة قالت نهاد أنا مقتنعة بلباسي ولا ألبسه للإثارة بل لنفسي، وعلى الرجال الذين يشعرون بالضعف تجاه عريي أن يعالجوا أنفسهم لأن العيب فيهم لا في لباسي..
وهما في غمرة سجالهما، فتح المدير الباب بملامح متوترة
الضيوف في قاعة الانتظار وأنتما هنا منشغلتين بالثرثرة والكلام الفارغ… ثم وهو يلتفت إلى ضياء ويتفحصها من أسفل إلى أعلى ندت من فيه صرخة استنكار:
ــ أنحن في عزاء آنسة ؟؟.. هل ستجلسين بملابس الراهبة هاته مع الضيوف ألم تعلمك نهاد أبجديات التواصل الإداري الحديث .. هل تريدين الحصول على وظيفة أم تريدين العودة إلى بيتكم؟
في لحظة برقية بدا لها أشبه بالوحش الذي يزين للضحية مراسيم افتراسها دون عناء، باسم الشطارة ومهارة التواصل.
ــ بل أفضل أن أعود إلى بيتنا، والرزق بيد الله ليس بيدك، ردت ضياء، وتناولت حقيبة يدها وصفقت الباب وراءها بعصبية.
يومين بعد مغادرتها للشركة، كانت نشرة الأخبار تنقل وقائع زيارة الوفد «الأخوية»، وبالصور المرفقة عبر شاشة التلفاز، كانت نهاد تجلس جلستها تلك التي تبدي فيها من مفاتنها أكثر مما تخفي، وبعينيها الغائرتين استوطن عياء ليلة العشاء وما وراء العشاء..
وتلك هي القصة الحقيقية في ما سردناه، قصة ما وراء العشاء من استنزاف لجسد المرأة وكرامتها، القصة التي لن يقف عندها كثير من أولئك الذين يحزنون لمآسي المرأة حين تتعلق بالنص القرآني لجرجرته والنيل منه تحت يافطة الاجتهاد في الوقت الذي عبَّد فيه النصُّ القرآني للمرأة الطريقَ لتكون الملِكة وعبد لها المغرضون والاندفاعيون الطريق لتكون جارية وقالوا إن النص المقدس هو سبب وضعها المدنس. وحتى وهم يغضبون سيرطنون بغضبهم لأيام ويستنكرون منظومة التحرش بها دون مساءلة منظومة تعرية المرأة باسم حق المرأة في حرية جسدها وسيقفزون على مآسيها لتصفية حسابات متراكمة مع الدين. سيتوقفون مثلا عند المساواة في الإرث ويبسطون روزنامة مآسيها لأن في هذا البسط انتعاش لأطروحة مناوشة الدين ولن يسائلوا منظومة القيم المادية الدخيلة التي تسيء إلى المساواة حقا برفعها لشعار [عندك « جسد أو جيب» تسوا ماعندكش ما تسواش] تلك المنظومة التي تشحذ طمع النفوس ليفترس القوي الضعيف ويستوي في ذلك الرجال والنساء. وليس الإرث في تشويهه عند التنزيل إلا شجرة في غابة التسليع والاستقواء على البشر.

ذة. فوزية حجبـي


اترك تعليقا :

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *

Commentaire sur “من أوراق شاهدة – جواري في غابة تسليع البشر

  • abdellatif

    للأسف‏ ‏هناك‏ ‏من‏ ‏ترضى‏ ‏أن‏ ‏تكون‏ ‏مجرد‏ ‏شيء‏ ‏تبيع‏ ‏دينها‏ ‏وجسدها‏ ‏قبل‏ ‏ان‏ ‏تبيع‏ ‏المنتج‏ ‏او‏ ‏السلعة‏ ‏مبررة‏ ‏ذلك‏ ‏بكون‏ ‏الجسد‏ ‏جسدها‏ ‏وهي‏ ‏واعية‏ ‏حرة‏ ‏متصالحة‏ ‏مع‏ ‏ذاتها‏ ‏والعيب‏ ‏في‏ ‏من‏ ‏ينظر‏ ‏لجسدها‏ ‏العاري‏ ‏دون‏ ‏النظر‏ ‏الى‏ ‏روحها‏ ‏الحرة‏ ‏وجوهرها‏ ‏النقي‏ ‏
    في‏ ‏المقابل‏ ‏ماتة‏ ‏النخوة‏ ‏و‏ ‏الرجولة‏ ‏فينا‏ ‏أذ‏ ‏نبيع‏ ‏لحمنا‏ ‏وعرضنا‏ ‏مقابل‏ ‏صفقات‏ ‏تجارية‏ ‏غير‏ ‏مباركة‏ ‏فمن‏ ‏يرضى‏ ‏ان‏ ‏يكون‏ ‏مدير‏ ‏في‏ ‏شركة‏ ‏في‏ ‏النهار‏ ‏و‏ ‏قواد‏ ‏بالليل‏ ‏أكيد‏ ‏لا‏ ‏نخوة‏ ‏له‏ ‏وقد‏ ‏يبيع‏ ‏اقرب‏ ‏انسانة‏ ‏له‏ ‏و‏ ‏ليس‏ ‏فقط‏ ‏الموظفات‏ ‏