مع كتاب الله تعالى – العمل في القرآن الكريم (2) أثر استحضار المراقبة في توجيه العمل 1


تطرقنا في الجزء الأول من هذا المقال إلى مفهوم العمل وأنواعه في القرآن الكريم، وفي هذه الحلقة سنتطرق -بحول الله تعالى- إلى مبحث من الأهمية بمكان ألا وهو:
أثر استحضار المراقبة في توجيه العمل :
لا جرم أن المتتبع للقرآن الكريم يجده يرسخ عقيدة المراقبة في الأنفس وينميها ويذكر بها على امتداد الآي والسور؛ ولذلك فإننا نجده سبحانه وتعالى عقيب كل أمر أو نهي، أو حتى إخبار أو قصص يذيل الآيات بإعلامه سبحانه وتعالى بأنه سميع، بصير، عليم، خبير ….- وجلها على وزن فعيل؛ الذي هو من أبنية المبالغة كما هو معلوم – لا يعزب عنه من أحوالهم مثقال ذرة في السماوات ولا في الارض ولا أصغر منها ولا أكبر، حتى يستمر هذا الشعور يقظا في الأنفس وهاجا، يضيء كوامنها المظلمة لتسير على نور وهدى وبصيرة ومراقبة.
وإذا كان الإنسان في غياب الرقيب قد لا يتقن ولا يحسن، وقد يتعدى ويظلم، وقد يعصي الله تعالى… فإن من ترسخت في قلبه عقيدة المراقبة وتمكنت من نفسه؛ علم باطلاع الحق على سره وعلانيته، فكلما نزعت نفسه إلى المخالفة، أو مسه طائف من الشيطان، تذكر أن الله السميع البصير، العليم، الخبير، الرقيب، الحفيظ، الشهيد، المحصي، الباطن؛ مُطلعٌ على خلجاته وخفقاته يعلم خائنة عينيه وما يخفيه صدره، يسمعه ويراه، وتذكر قول الحق سبحانه: {أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللهَ يَرَى}(العلق 14) وقوله تعالى لموسى وهارون عليهما السلام: {إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى{(طه 46) فيستحيي أن يراه ربه على حال لا يرضيه، فإذا تيَّقن من رؤية الله تعالى له؛ أصبحت مراقبة الله تعالى ملازمة له في كل حركاته وسكناته، وخلواته وجلواته؛ مما يجعله يرتقي في المقامات إلى أعلى درجات الإحســـان، وذلك أجلى مظاهر المراقبة وأعلى ثمراتها.
من أساليب ترسيخ عقيدة المراقبة في القرآن الكريم:
للقرآن الكريم أساليب متعددة ومتنوعة في ترسيخ هذه العقيدة ، غير أن الإتيان عليها كلها في هذه العجالة؛ غير ممكن ولا يسعه المقام، ولذلك فإنه سيتم التركيز على بعض السياقات التي جاءت فيها مقرونة بـ (العمل) على اعتبار أنه المفهوم الذي نتناوله في هذه الحلقات:
1ـــ إعلامه سبحانه وتعالى العباد بأنه بصير بما يعملون: أو (بما يعملون بصير) :
وتعددت الآيات المعلمة بذلك، إذ بلغت ما يقرب من العشرين آية؛ في سياقات مختلفة، تارة بضمير المخاطبين وتارة بضمير الغائبين؛ مما جاء حكاية عن حال اليهود والنصارى والمشركين، وهي كلها خاتمة لآيات تضمنت أوامر أو نواه أو قصصاً أو غير ذلك، لَتَلْفِت نظر الإنسان إلى هذه الصفة العظيمة لله سبحانه ألا وهي صفة البصير؛ ليتحقق بمقتضياتها وآثارها في نفسه، فيراقب الله تعالى في كل ما يأتي ويذر من فعل أو اعتقاد. من هذه الآيات قوله تعالى:
– {وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ}(البقرة 96)
– {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ إِنَّ اللهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}(البقرة 110)
– {وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}(البقرة 237)
– {وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرُبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}(البقرة : 265)
– {لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ}(المائدة 70 – 71)
– {وَإِنَّ كُلًّا لَمَا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}(هود 111 – 112)
– {يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}(الحديد 4).
والبصير: اسم من أسماء الله الحسنى، ومعناه – حسب أهل العقائد- أنه – سبحانه – (الذي أحاط بصرُه بجميع المبصَرات في أقطار الأرض والسماوات، حتى أخفى ما يكون فيها … .ويرى سريان المياه في أغصان الأشجار وعروقها وجميع النباتات على اختلاف أنواعها وصغرها ودقتها، ويرى نياط عروق النملة والنحلة والبعوضة وأصغر من ذلك . فسبحان من تحيرت العقول في عظمته، وسعة متعلقات صفاته، وكمال عظمته، ولطفه، وخبرته بالغيب، والشهادة، والحاضر والغائب، ويرى خيانات الأعين وتقلبات الأجفان وحركات الجنان، قال تعالى: {الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}(الشعراء 218-220)، {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ}(غافر: 19)، {وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيد}(البروج 9)، أي مطلع ومحيط علمه وبصره وسمعه بجميع الكائنات)(1).
ومجمل ما جاء في التفاسير من معنى قوله: {وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}أو {وَاللهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} : أنه سبحانه (وصف نفسه بأنه بصير؛ على معنى أنه عالم بخفيات الأمور . والبصير في كلام العرب : العالم بالشيء الخبير به) الرازي فهو( ذو إبصار بما يعملون، لا يخفى عليه شيء من أعمال الناس، بل هو بجميعها محيط ولها حافظ ذاكر)، الطبري وسيجازيهم على الاحسان بما يستحقونه من الثواب، أو على الإساءة بما يستحقونه من العقاب، وقد تستعمل في التهديد والتوبيخ والإخبار بعذاب الله تعالى وعقابه إن جاءت في سياق الإساءة، وتستعمل في البشارة والإخبار بوعد الله تعالى وجزيل فضله إن جاءت في سياق الإحسان.
2 ــ إعلامه سبحانه وتعالى العباد بأنه (عليم بما يعملون): أو (بما يعملون عليم) :
وردت العبارة ثمان مرات في كتاب الله تعالى؛ منها قوله سبحانه وتعالى:
– {وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ}(البقرة 283)
– {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا}(النساء 17).
– {وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} (يوسف 19)
– {قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}(سورة النحل 27 – 28)
– {وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ} (الحج 67 – 68)
جاء في معنى اسمه الكريم؛ العليم: (انه المدرك لما يدركه المخلوقون بعقولهم وحواسهم، وما لا يستطيعون إدراكه، من غير أن يكون موصوفا بعقل أو حس، وذلك راجع إلى أنه لا يعزب ولا يغيب عنه شيء، ولا يعجزه إدراك شيء، كما يعجز عن ذلك من لا عقل له ولا حس له من المخلوقين، ومعنى ذلك أنه لا يشبههم ولا يشبهونه، قال أبو سليمان : العليم هو العالم بالسرائر والخفيات التي لا يدركها علم الخلق، وجاء على بناء فعيل للمبالغة في وصفه بكمال العلم .[…]. فالله تعالى هو الذي أحاط علمه بالظواهر والبواطن، والإسرار والإعلان، وبالواجبات والمستحيلات، والممكنات، وبالعالم السفلي وبالماضي والحاضر والمستقبل، فلا يخفى عليه شيئ من الأشياء)(2).
وأورد الطبري بسنده إلى ابن عباس في قوله تعالى: {والله بما تعملون عليم}(قال : العالم الذي قد كمل في علمه)(3).
و(ختمت [الآيات] الكريمة بهذه الجملة السامية، للوعد والوعيد، ببيان علم الله ذي الجلال والإكرام المنتقم الجبار، علما دقيقا بما يعمله كل إنسان، يعلم الخير والشر، ويعلم ما تخفي الصدور، وما تكنه القلوب، وما يظهر على الجوارح، فيجازي على الإحسان إحسانا، وعلى السوء سوءا، فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره) (4).
3 ـــ إعلامه سبحانه وتعالى العباد بأنه خبير بما يعملون:
جاء ذلك في قول الله جل حلاله:
{إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَنُكَفرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}(البقرة : 271).
– {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} (النساء 94)
– {وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا}(النساء 128)
– {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} (النساء 135)
– {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا. وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا}(الأحزاب 1 – 2)
– {قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا}(الفتح 11)
ومعنى الخبير: (الذي انتهى علمه إلى الإحاطة ببواطن الأشياء وخفاياها كما أحاط بظواهرها، فكيف يخفى على اللطيف الخبير ما تحويه الضمائر وما تخفيه الصدور)(5).
([فينبغي على العبد أن يعلم أن صفة «الخبير» العالم بكل شيء هي صفة فعلية تختص بالله تعالى على] الكمال، وإنه سبحانه لم يزل خبيرا بمعلوماته من قبل أن يعلمها العلماء، وأنه المنفرد بذلك وأن يكون خبيرا بما يجري في عالمه؛ جوارحه وقلبه وبالخفايا التي يتصف بها القلب من الغش والخيانة والتطول حول العاجلة وإضمار الشر، وإظهار الخير،[….] ثم إذا علم أن الله مختبره فعليه الجزم عند مواقع الامتحان، وإظهار التجلد والصبر والمحافظة على الوفاء بالعهد)(6).
قال ابن عطية في قوله تعالى: {والله بما تعملون خبير} (ختم الله بهذه الصفة لأنها تدل على العلم بما لطف من الأشياء وخفي)(7).
والمعنى: (والله بما تعملون […] خَبِيرٌ يعني بذلك ذو خبرة وعلم، لا يخفى عليه شيء من ذلك، فهو بجميعه محيط، ولكله محص على أهله حتى يوفيهم ثواب جميعه وجزاء قليله وكثيره)(8).
المحسن منكم بإحسانه والمسيء بإساءته.
4 ــ إخباره سبحانه وتعالى العباد بأنه محيط بما يعملون:
قال تعالى:
– {إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضِرْكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ}(آل عمران 120)
– {وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا}(النساء 107 – 108)
– {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَاللهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ}(الأَنْفال 45 – 47)
– {قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ}(هود 91 – 92):
والمحيط كما قال الخطابي : (هو الذي أحاطت قدرته بجميع خلقه ، وهو الذي أحاط بكل شيء علما ، وأحصى كل شيء عددا . وهذا الاسم أكثر ما يجيء في معرض الوعيد، وحقيقته الإحاطة بكل شيء ، واستئصال المحاط به)(9).
(فيجب على كل مكلف أن يعتقد أن الإحاطة بالحقيقة إنما هي لله عز وجل فيخضع لعظمته وجلالته، ويستسلم لأمره وينقاد لحكمه، خوفا من عذابه وعقابه، ويعلم أنه محصور مقهور محاط به) (10).
وبمناسبة قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ}(آل عمران : 120)؛ قال الطبري: (إن الله بما يعمل هؤلاء […] من معاصي الله ، محيط بجميعه ، حافظ له لا يعزب عنه شيء منه، حتى يوفيهم جزاءهم على ذلك كله ويذيقهم عقوبته عليه)(11). وقال السمرقندي -ـ373ه: (يعني أحاط علمه بأعمالهم، والإحاطة هي إدراك الشيء بكماله)(12). وقال الطوسي- 460هـ : (معناه عالم به من جميع جهاته مقتدر عليه)(13) .
وقال ابن الجوزي – 597هـ : (قال أبو سليمان الخطابي : والمحيط : الذي أحاطت قدرته بجميع خلقه ، وأحاط علمه بالأشياء كلها) (14).
ونقف عند هذا الحد، على أن نواصل بقية أساليب ترسيخ عقيدة المراقبة في القرآن الكريم في حلقة قادمة بحول الله ومشيئته سبحانه وتعالى.
د. خالد العمراني
———-
1 – الجامع لأسماء الله الحسنى؛ ص: 47، دراسة وإعداد حامد احمد الطاهر ـ دار الفجر للتراث.
2 – الجامع لأسماء الله الحسنى؛ ص: 119 ـ 120، دراسة وإعداد حامد احمد الطاهر ـ دار الفجر للتراث.
3 – المعجم التاريخي لتفسير القرآن الكريم. جامع البيان للطبري بمناسبة قول الله تعالى: والله بما تعملون عليم (البقرة : 282).
4 – المعجم التاريخي لتفسير القرآن الكريم. زهرة التفاسير لأبي زهرة. (ت 1394هـ) بمناسبة قول الله تعالى: والله بما تعملون عليم (البقرة : 282).
5 – الجامع لأسماء الله الحسنى؛ ص: 119، دراسة وإعداد حامد احمد الطاهر ـ دار الفجر للتراث.
6 – الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى وصفاته، للإمام شمس الدين محمد بن احمد الأنصاري القرطبي. ص: 415، تحقيق الشيخ عرفان حسونة، المكتبة العصرية ـ صيدا بيروت
7 – المعجم التاريخي لتفسير القرآن الكريم.المحرر الوجيز لابن عطية؛ بمناسبة قول الله تعالى: وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (البقرة : 271).
8 – المعجم التاريخي لتفسير القرآن الكريم.جامع البيان للطبري بمناسبة قول الله تعالى: وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (البقرة : 271).
9 – المعجم التاريخي لتفسير القرآن الكريم، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي
10 – الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى وصفاته، للإمام شمس الدين محمد بن احمد الأنصاري القرطبي. ص: 243، تحقيق الشيخ عرفان حسونة، المكتبة العصرية ـ صيدا بيروت
11 – المعجم التاريخي لتفسير القرآن الكريم.جامع البيان للطبري بمناسبة قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (آل عمران : 120).
12 – المعجم التاريخي لتفسير القرآن الكريم. بحر العلوم للسمرقندي بمناسبة قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (آل عمران : 120)
13 – المعجم التاريخي لتفسير القرآن الكريم. التبيان في تفسير القرآن للطوسي بمناسبة قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (آل عمران : 120)
14 – المعجم التاريخي لتفسير القرآن الكريم. زاد المسير في علم التفسير لابن الجوزي بمناسبة قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (آل عمران : 120)


اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

One thought on “مع كتاب الله تعالى – العمل في القرآن الكريم (2) أثر استحضار المراقبة في توجيه العمل