شرح الأربعين الأدبية [41] في تفضيل الشعر الموحِّد


روى الإمام البخاري «عن أبي هريرة قال: قال النبي :
“أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد :
ألا كُلُّ شيء ما خلا الله باطلُ وكاد أمية بن أبي الصلت أن يُسلِم”».(1)

هذا الحديث من الأحاديث التي تعددت روايات ألفاظها فلا نستطيع الجزم: أيها قاله النبي ؟ فقد روي الحديث بـ«أصدق»، و«كلمة»، و«قالها الشاعر» و«كلمة لبيد» كما في المتن، وبـ«أشعر»(2)، و«بيت»(3) و«قالته الشعراء(4)/قالته العرب(5)»، و«قول لبيد بن ربيعة(6)» كما في غيره، ولذلك لا نستطيع حسم: أي الألفاظ قالها النبي ، وأيها لم يقلها، ويبنى على ذلك أننا لا نستطيع أن نغامر بتتبع لطائف الألفاظ المستعملة، فلم يَبق إلا أن نولي وجهنا شطر المعاني المشتركة بين تلك الروايات، والمعنى العام للحديث.
ومدار حديث الباب على ثلاثة محاور: أولها «أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد» وثالثها «وكاد أمية بن أبي الصلت أن يُسلِم» كلام النبي ، والثاني كلام لبيد «ألا كُلُّ شيء ما خلا الله باطلُ»، ثم هو من زاوية أخرى مِن قسمين: أولهما خاص بشعر لبيد بن ربيعة، والثاني خاص بأمية بن أبي الصلت.
وقد ورد الكلام النبوي في المحور الأول بصيغة التفضيل «أصدق/أشعر»، وفيه مفاضلة تحتمل مسارين اثنين:
كوْن كلام لبيد أفضل مِن كل ما قالته العرب مِن الشعر والنثر، وهو مسار عام فُهِم بناء على ما تحتمله رواية «قالته العرب».
وكوْنهُ أفضل ما قالته العرب في شِعرها، وهو مسار خاص نُرجحه على سابقه، لكوْن اللفظ «قالته العرب» يحتمله، ويتَّجه نَحْوه أكثر من اتجاهه نحو القول العام.
ومهما يكُن فالمحور الأول وارِد بصيغة اسم التفضيل القائم على مُطلَق التفضيل، فنَحْن أمام شِعر هو الأصدق والأشعر والأفضل، ولئن كان يَصْعُب أنْ نَبني على الأولَين أحكاما، فإن البناء على الأفضلية كاف للخلوص إلى أن ما قاله لبيد أفضل ما قالته العرب، وأفضل ما قاله شعراؤها.
وعلة تلك الأفضلية ما وَرَد في المحور الثاني، وهو قول لبيد: «ألا كلُّ شيء ما خلا الله باطلُ»، وهو صدْرُ بيت، وعَجُزُه:
وكل نعيم لا محالة زائل(7)
وواضح من معنى العَجُز لِمَ لَمْ يذكره النبي ، وأبرز ما فيه أنه مخالف لما جاء به الإسلام، وهو أن نَعيم الجنة لا يَزول، وقصة الصحابي الجليل عثمان بن مظعون مع الشاعر نفسه تُضيء هذا الأمر، ففيها أنه سَمِعه يُنشد: «أَلا كُلُّ شَيءٍ…»، فقال عثمان: صدقتَ. فلما قال لبيد: «وَكُلُّ نَعيمٍ…»، قال عثمان: «كذبتَ، نعيم الجنة لا يزول»(8).
ويُستفاد مما سبق أن سكوتَ النبي عن عَجُز البيت مقصودٌ؛ لما فيه من مخالفة صريحة للعقيدة الإسلامية، وأن تلك المخالفة في العَجُز لم تمنع الإشادة بالموافقة في الصدر؛ بل التوفيق فيه.
ومدار التوفيق في صدر البيت على وصْفه كلّ ما خلا الله تعالى بالباطل، فيُفْهَم منه أن الله تعالى هو الحق، «والمراد بالباطل الفاني المضمحل»(9)، فيفهم منه أيضا أن الله تعالى هو الباقي، فيكون كلام لبيد محتملا للحقيقتين: كون الله هو الحق، وكونه الباقي، فما عداه باطل بمعنى أنه ليس حقا، وبمعنى أنه فان، وهو منتهى ما يمكن قوله في توحيد الله تعالى وإفراده بالعبودية.
وتلك إشراقة من إشراقات الصفاء الروحي التي قد تنتاب الشعراء، وإذا كان من المفترض في الذي يصل إلى ذلك الصفاء أن يستسلم لمقتضياته، واستسلامه إعلانه الإسلام، فإن تجارب الشعراء أثبتت أن حالهم يختلف، فمنهم من يستسلم له فيجمع بين القول والفعل، ومنهم من ينصرف عنه فيدخل في الشعراء الذين يقولون ما لا يفعلون، ومن هؤلاء أمية بن أبي الصلت، والحديث عنه هو موضوع المحور الثالث، فظهرت المناسبة بين قسمي الحديث: الأول والثاني.
وقد سبق الحديث عن أمية في باب سابق، وحسْبنا هنا أن نذكّر بكوْنه ذكَر كثيرا مِن مسائل الإيمان في شعره، وطمع في النبوة، فلما بُعِث محمد لم يَنْفع أميةَ شعرُه الإيماني في أن يكون هو أيضا مُؤمنا، فأحدث بذلك شرخا بيْن قوله وفِعله، بيْن الإيمان في ذاك، والكفر في هذا.
بقيَتْ ثلاثُ إشارات:
الأولى هي أن رواية عند الإمام أحمد فيها أن أبا هريرة قال: «سمعتُ رسول الله يقول على المنبر…»، فأفاد هذا أن الحديث مدني، وأنه ورد بعد اتخاذ المنبر، وبعد إسلام أبي هريرة، وقد كان ذلك بين الحديبية (6هـ) وخيبر (7هـ).
والثانية هي أن الحديث -بناء على ما ورد في الفقرة السابقة- ورد قبل إسلام لبيد بن ربيعة سنة تسع من الهجرة، فيكون حُكْم لبيد وأمية واحدا باعتبار ما كان، وأما باعتبار ما سيكون فالأمر مختلف؛ إذ مات أمية كافرا، وأسْلَم لبيد، فيكون السكوت عنه لحكمة.
والثالثة هي أن قوْل النبي «وكاد…» غير وارد في بعض روايات الحديث؛ بل نجد في بعضها بدل تلك العبارة قول الراوي: «ما زاد على ذلك»(10)، وهي تحتمل معنيين:
كون النبي عندما تحدث عن صدْر بيت لبيد لم يَذْكر أمية، فنَكُون أمام حديثين جَمَع بينهما أبو هريرة أو الراوي عنه، وقصْدُه في ذلك أن النبي قال هذا وهذا، دون أن يكون قالهما وجمع بينهما في المناسبة نفسها.
وكوْن العبارة «ما زاد على ذلك» دالة على أن النبي اكتفى بذكر صدر بيْت لبيد، ولم يذْكُر عَجُزَه، وقد عَرَفنا لِمَه، وهذا محتمل أيضا، فتَكُون تلك العبارة تأكيدا لقَصْدِ النبي .

د. الحسين زروق
———–
(1) – صحيح البخاري ، 2/453، حديث رقم 3841، ك. مناقب الأنصار، ب. أيام الجاهلية.
(2) – شرح صحيح مسلم، 15/12، حديث رقم 2256/2، ك. الشعر.
(3) – صحيح البخاري، 4/195، حديث رقم 6489، ك. الرقاق، ب. الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله…، وشرح صحيح مسلم، 15/12، حديث رقم 2256/4، ك. الشعر.
(4) – شرح صحيح مسلم، 15/12، حديث رقم 2256/5، ك. الشعر.
(5) – مسند أحمد، 9/296، حديث رقم 9698، وإسناده حسن.
(6) – مسند أحمد، 7/190، حديث رقم 7377، وإسناده صحيح
(7) – البيت من قصيدة تتكون من اثنين وخمسين بيتا، ن. ديوان لبيد، ص:144-149.
(8) – سيرة ابن هشام، 1/302. والخبر أورده إبراهيم العلي في صحيح السيرة النبوية، ص: 126-127، وحسّنه بشواهده.
(9) – شرح صحيح مسلم، 15/12.
(10) – شرح صحيح مسلم، 15/12، حديث رقم 2256/6، ك. الشعر.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>