حوار النبي إبراهيم مع أبيه وقـومه من خلال القرآن الكريم (3/3)


د. عبد القادر محجوبي *

من تجليات الحكمة والموعظة الحسنة في دعوة إبراهيم
  • من اللبنات أو الأساسيات التي تقوم عليها كل دعوة، تركيز فهم المدعويين على إخلاص العبادة لله تعالى، لأن إخلاص العبادة وتوحيد المعبود بدلا من المعبودات يمثل المدار أو الآخية التي يدور عليها وحولها كل شيء، إذ المطلوب في الدعوة هذا، وما تبقى من الفهم والسلوك يكون خادما له وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالانْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ دون غيري من المخلوقات أو المنحوتات والمصنوعات التي لا تنفع ولا تضر، فمما جاء به القرآن الكريم على لسان إبراهيم قوله تعالى : إٍلاَّ الَّذِي فَطَرَنٍي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ. ومن ثم فإن نجاح أو فشل أي دعوة ينبني على مدى إخلاص المدعويين في عبادتهم وتقربهم إلى الله، وقوة تأثير دعوتهم تكون بناء على قوة إخلاصهم وارتباطهم بالله الذي هو خالقهم ورازقهم ومدبر شؤونهم وراعيهم ومراقبهم في كل ما يفعلون أو يقومون به.
  • إن البدء في الدعوة بالأقارب أو العشيرة بتوجيه الخطاب إليهم و تربيتهـم إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ و قوله إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ وقوله يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ، يكون أفيد للدعوة حتى يُمَثل هؤلاء الأقارب والعشيرة المحضن أو الحصن المنيع الذي يحمي الدعاة والدعوة من البطش أو الفتك بها في مهدها، وهذا ما فعله إبراهيم حين بدأ بأقرب الناس إليه وهو أبوه وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (الزخرف: 26-27). ورغم انتقال إبراهيم من دعوة أبيه (وهي دعوة خاصة) إلى دعوة قومه وبعض الوجوه القوية أو المعروفة فيهم، فإن إبراهيم استمر في المحاولة لإقناع أبيه بالعدول عن ضلاله والاهتداء لعبادة الواحد الأحد، يعني استمر في الدعوة الخاصة التي لا تنتهي ببدء الدعوة العامة، كما يظهر في الآيات التي توجه فيها إبراهيم بالنداء لقومه، وهذا فيه دلالة عظيمة مفادها أن استمرار الدعوة الخاصة شيء لازم لنجاح وتوسع الدعوة العامة ونجاحها.
  • في قوله تعالى على لسان إبراهيم : إِنِّي سَقِيمٌ الذي هو من معاريض الأقوال، دليل على جواز استعمال المعاريض إذا توقع الداعي حدوث مكروه يمس أو يقف في وجه الدعوة والداعية، فهؤلاء القوم فهموا من «السقم» غير القصد الذي أراده إبراهيم ، وكذلك قوله : بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ، وقوله في زوجته سارة: «هي أختي» وكقول نبينا لمن سأله وهو في طريق الهجرة: ممن الرجل؟ فأجابه بقوله: «من ماء» فكان قصد النبي الإشارة إلى أصل خلقه وخلق الناس جميعا، وفهم السائل أنه بيان لقبيلته وموطنه الأصلي، وقد سئل عن صاحبه أبي بكر الصديق ، فأجاب: هو هاد يهديني، ففهم السائل شيئا وكان مراد النبي شيئا آخر. وهذه المعاريض وما يشبهها ليست من الكذب، إنما هي سُبل وفنون وقائية للتخلص من المكروهات والشرور القادمة أو الممكن توقعها أثناء ممارسة الدعوة وأثناء ملاقاة الأعداء بصفة عامة.

n 425 14

  • اختياره الألفاظ بعناية لمخاطبة أبيه بأسلوب مناسب، ومن هذا اختيار لفظ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ بدلا من ألفاظ أخرى من قبيل: الجبار أو المنتقم، ففي هذا اللفظ البُشرى بالرحمة لمن أطاع الله تعالى وتمسك بهداه كما تمسك به إبراهيم والنبيؤون والصالحون وأتباع الأنبياء بصفة عامة؛ كذلك عبارة أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عند تكلمه عن العذاب، إذ الدخول في زمرة أولياء الشيطان أشد العذاب، قال ذلك لطفا وتأدبا مع أبيه، ولم يذكر ألفاظا أخرى.
  • في جواب إبراهيم  لأبيه بقوله سَلامٌ عَلَيْكَ مقابلة السيئة بالحسنة، ومقابلة الجفاء والقسوة بلطف وحلم، إذ الأخلاق الحسنة التي يتمتع بها الداعي إلى الله تعالى تكسبه كما تكسب دعوته تعاطفا وأنصارا جددا مؤمنين وعاملين بما يدعو له، يتحولون إلى حماة للدعوة من بطش الأعداء والمتربصين بها، وحملة لها إلى قوم آخرين وأتباع آخرين ينصرونها وتنتصر بهم على الأعداء الحقيقيين والمفترضين الذين قد يكن بعضهم العداء لها، سواء أكانوا في الداخل أم في الخارج.
  • إن الداعي إلى الله جل جلاله مؤيد منه سبحانه وتعالى بدليل ما أوتيه إبراهيم من الرشد الإلهي وَلَقَدَ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهوهذا الرشد مفخرة لإبراهيم ولكل داع إلى الله سبحانه وتعالى لعلمه المسبق بهذا وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ.
  • إن مقاومة الشرك والكفر يمكن أن تكون بقوة إذا أيقن الداعي إلى الله تعالى وأتباعه من خلفه وجميع الدعاة أن ذلك يخدم الدعوة ويمكّن للدين، ففي قوة الداعي والدعوة إرهاب للباطل وأنصاره وإزاحة له من الميدان للتمكين للحق وأتباعه.
  • في قوله تعالى: فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ دليل على أن معسكر الشرك يمكن أن يكون له فهم وتصور ما للتعامل مع الأحداث المفاجئة أوالطارئة لتحصين معبوداته ومنافعه وامتيازاته وتصوره الذي هو أساس فعله. فاستعمال فعل «يَزِفُّونَ» دون «يسرعون» أو «يهرولون» أو «يجرون» دليل على طمأنينتهم اتجاه أصنامهم ومعبوداتهم التي يعتقدون أن لها عزة ومكانة في قلوبهم، فهي في أمان من أي مكر أو فعل ماكر. ويقابل هذا الفعل منهم «الروغان» المنسوب إلى إبراهيم :فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ الذي يحمل نوعا من الخداع مع الآخرين إذا تطلب الأمر ذلك واقتضاه لتصحيح السير وتحقيق الحق الذي هو عبادة الله عز وجل وإحلاله محل الباطل المتمثل في عبادة الآلهة أو الأصنام والتماثيل التي لا تنفع ولا تضر.
  • أحيانا وفي مرحلة عرض وتوجيه الدعوة إلى المجتمع يمكن أن تتوجه هذه الدعوة إلى الطواغيت والجبابرة ورؤوس الأنظمة القائمة على غير ما أنزل الله تعالى في كتابه على سيدنا محمد ، لأنه في إقناعهم بالدعوة، وفي حملهم لها نفع عميم لكل الناس على اعتبار أنهم قادة المجتمع وسياسيوه المدبرون لشؤونه المتحكمون في دواليب مؤسساته وسيره إما إلى نماء فرخاء أو إلى تخلف فخراب ودمار وتسلط الأعداء عليه.
  • من عوامل النجاح في أي دعوة، نجاح خطابها متعدد الأساليب والأهداف والمستويات ونفاذه في أسماع الناس وتمكّنه منهم؛ ومن عوامل النجاح أيضا مخاطبة المدعويين بخطاب يفهمونه، وذلك بأن يكون نابعا من واقعهم ومعالجا لمشاكلهم ويحمل إجابات شتى لأسئلتهم وهمومهم، فلا يسلك في أذن مقهور إلا صوت يبشر بحريته، ولا ينفذ إلى قلب مكروب إلا صوت مناد أو فعل ما يبشر بفرج لكربته…إلخ، كما أن من عوامل النجاح قوة الحجج في الحجاج، وهذا بين في حوار إبراهيم مع أبيه وقومه ومع الملك نمرود، فليتمعن وينتبه كل داع إلى هذا الأمر في دعوة إبراهيم . فالحجج القوية الباهرة والقاطعة للشك في أذن السامع وفهمه، تجعله يقتنع ويأخذ بما يسمع من الداعي، الذي هو هاد وناقذ للمدعويين مما هم عليه من الفهم السيئ والضلال الذي يجعلهم تائهين أو في حكم من هم تائهون عن الحق والحقيقة التي هي إفراد الله تعالى بالعبادة.

والله يهدي السبيل وإلى الحق المبين.

 

———————-

* باحث في الدراسات القرآنية

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>